يظهر الكلام الّذي ظاهره الرضا وإن كان كارها بقلبه ، ويدوم على ذلك إذا كان الوجه الّذي له يخاف دائما مستمرا . وهذا واجب علينا إذا خفنا من الباغي على أنفسنا وأموالنا عند تمكنه منا ، لأنه يجب أن يستمر على ما يقتضيه الخوف إلى أن يزول وإن لم يتجدد فيه التخويف حالا بعد حال ، فلا عيب على ما فعله الحسن عليه السلام .
وأما أخذه منه الأموال والعطاء فواجب ، لأن كل ما في يده لو تمكن من نزعه وإزالة يده عنه للأمة ، فإذا لم يتمكن في الكلّ وتمكن في البعض فالوجوب قائم . فإن قيل : إنه كان يأخذه لنفسه ، قيل له : قد يجوز أن يوهمه ذلك ثم يفرقه في حقه وهو أحد من يستحق ذلك ، فإذا أنفقه على نفسه وعلى غيره فقد وضعه في حقه فلا يجوز أن يجعل ذلك طعنا فيه . وإذا علم أن في قصده والدخول إليه كفّا عما يخافه من قتله ، واستجلابا لما يريده من تناول حقوق المسلمين من جهته ، فله أن يفعل ذلك وإن لم يكن مكرها عليه . فإن قيل : أفليس قد كان في أصحابه من ينكر صنيعه في ذلك حتى ظهر عن بعضهم أنه قال : يا مذلّ المؤمنين ، قيل له : إن إظهاره لا يتعلق باجتهادهم ، وقد كان عندهم الكلفة وإن قبل مع أصحابه ، وكان اجتهاده / بخلاف ذلك ، وكذلك كان اجتهاد الحسين عليه السلام لكنه كان يقول : لا سبيل إلى مخالفة الحسن فيما أتاه ويقول :
ما دام معاوية لا سبيل إلى الخروج ؛ وهكذا عمل ، لأنه أظهر الخروج بعد موته . وقد بيّنا أن ما طريقه الاجتهاد لا يجوز أن ينكر على الإمام إلا أن يظهر طريقة الخطأ فيه خصوصا ما يتصل بالإكراه ، لأنه من الباب الّذي تختلف أحوال العقلاء فيه سيما بحسب قوّة النفس وضعفها ، وبحسب استشعار الأمور في العاقبة ، ولعلّ الحسن عليه السلام قوى في نفسه انقطاع نسل رسول اللّه صلى اللّه عليه لو لم يظهر ما أظهر ، وذلك مما يقوى الخوف والإكراه ، وكل ذلك يبين سقوط ما سألوا عنه .
فأما طعنهم في إمامته بكون من هو أفضل منه في الزمان ، فقد قال شيخنا أبو عليّ على تسليم ذلك إن سعدا وسعيدا لم يكونا يهتمان بهذا الأمر ولا تقوى أنفسهما على
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 148
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص١٤٨