تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 147

مساهمون:

ص١٤٧
حلت محل إظهار كلمة الكفر في أن وجودها كعدمها ، لأن البيعة قول فتحتمل أن لا يقصد به ظاهره كما تقول في كلمة الكفر ، قال : ولا إكراه أعظم من أن يسير إليهم الجيش العظيم الّذي لا قبل لهم به ويتقدم بقتل كل من امتنع عليه ، ولم ير الحسن من أصحابه ما يقوى عنده على المدافعة ، أو يتمكن من الامتناع ، وعلى هذا الوجه بايعه سائر الفضلاء كسعد وسعيد وابن عمر وغيرهم ، واستمرت الحال على ذلك إلى أن مات الحسن عليه السلام ، فليس لأحد أن يقول : إن الإكراه إذا زال فقد كان يجب لمن ينتصب للإمامة . فإن قيل : أليس المحكى عن المروانية على ما حكاه أبو عثمان عن جرير بن عثمان والأوزاعي وغيرهم أن البيعة لمعاوية قد وقعت وأن الإكراه غير ثابت ، فكيف يجوز أن يدعى أنه ليس بإمام ، ولئن جاز ذلك ليجوزن في بيعة أمير المؤمنين عند ادّعاء طلحة والزبير ذلك ، وليجوّزن في بيعة أبى بكر مثله ، ولا يجوز إزالة الأمور التي لها ظاهر صحيح بالدعاوى ، بل قالوا : إن معاوية بويع له ولم يبايع لغيره ، وإمامته أسلم من إمامة غيره . وقالوا : إذا جاز الوقوف في طلحة والزبير فهلّا جاز بمثله في معاوية ؟ قيل له : إن البيعة على ما قدمنا ذكرها إنما تؤثر فيما يصلح للإمامة ولم يظهر منه أنواع الفسق فأما مع ظهور ذلك فلا يجوز أن يكون للبيعة تأثير في هذا الباب . / وقد صح في أمر معاوية ما ذكرناه وقد شرحنا حاله قبل ذلك ، بل يعلم من حال معاوية بالاضطرار أنه كان عالما بأن غيره أحق بالأمر منه ، وأنه كان يسلك طريقة المغالبة والمخادعة ، وقد بينا طرقا من ذلك ، وأنه كان بعيدا عن الدين ، آخذا في طريقة التغلب والملك ، وظهور ذلك من حاله يغنى عن الإكثار فيه ، وإذا ثبتت هذه الجملة لم يصح ما ادعاه ، وكان يجب بهذه المقدمة أن يحمل أمر البيعة إذا وقعت ممن يعلم دينه وسيره على أن هناك خوفا لو لم يظهر بذلك الخوف فكيف مع ظهوره ؟ وإذا كانت الأحوال ظاهرة في ذلك لم يكن فيما يأتيه الخائف إيهام ، فيجوز له أن
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 147 | القاضي عبد الجبار الهمذاني