تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 143

مساهمون:

ص١٤٣
وإنما كان يوجب ذلك التقدم لو كان أمير المؤمنين غنيا ولم يواس بماله . والمتعالم من حاله أنه كان فيما يجده يتقدم غيره . والّذي نقل عنه في تقديم الصدقة بين يدي مناجاته صلى اللّه عليه وفي أعماله الجند في كثير من الأوقات في تحصل ما كان أطعمه صلى اللّه عليه ، فقد روى عنه أنه أجّر نفسه من يهودي عند علمه بحاجة الرسول . وقوله عليه السلام : ما نفعنا مال كما نفعنا مال أبى بكر لا يدخل تحته إلا من كثر إنفاقه على النبي عليه السلام نحو عثمان وغيره فلا يمنع ذلك من صحة ما ذكرناه ، وقد اختص أمير المؤمنين بالتصبر على الفقر والقلة والغم الّذي ينضاف إلى الحيرة فأما ما كان منه عليه السلام في الحكم فظاهر ، لأنه كان لا يقدم مع التمكن على العقوبات وذلك يبين سيره في الحروب . وقد روى عنه عليه السلام أنه قال لفاطمة : « زوجتك أحلمهم حكما » . وأما صبره وكظمه الغيظ وعفوه عن الجناة فبين في سيره . / وقد بينا بطلان قول من طعن على رأيه بذكر ما كان منه في التحكيم . فأما قولهم : إن أبا بكر قد اختص بأن سمى صدّيقا ، وأنه صدّق الرسول لما أسرى به ، فكان ذلك منزلة عظيمة ، لأنه صدقه فيما كذبه فيه الناس ، وقد جعل بإزائه صبر عليّ مع النبي عليهما السلام في حصار الشعب على الجوع والخوف ، وما كان منه من إلقاء الأصنام التي كانت فوق البيت في جوف الليل ، وقد أمره عليه السلام أن يقف على منكبه فنهض به ونحو ذلك . وما كان منه في هجرة الرسول عليه السلام حين طلبه المشركون وطلبه ليبيت في مضجعه ليظن المشركون أنه عليه السلام لم يخرج ، وهذا أعظم من كل نفقة . وأما وصفه الصدّيق فقد روى عن أمير المؤمنين عليه السلام في كلام له ظاهر في الرواية أنه قال : أنا الصدّيق الأكبر . وقد علمنا أن أبا بكر لم يسم بذلك لاختصاصه في التصديق بما ليس لغيره ، لكن اشتهر به عند أمر حادث ، كما وصف إبراهيم بأنه خليل اللّه وإن كان الرسول قد شاركه في ذلك .