أمير المؤمنين ، ولو كان لطول المدة يوجب التوقف لأدى إلى أن يجوز في بعض من قصرت مدته أنه أعلم ممن ثبت تقدّمه في زمانه ، وبطلان ذلك يبين هذه الطريقة مما يجوز . وقد بيّنا أنها مبنية على غالب الظن ، فليس لأحد أن يعترض على ذلك بطرق العلم ويقول : لم يثبت عندكم أن هذه الأقوال الصحيحة / والأجوبة المستقيمة وإيراد الأدلة على وجهها دالة على علم الإنسان ، لأن مع الظن قد يجوز ذلك فيه ، لأن الّذي بيّناه قد أسقط ذلك ؛ فأما ما روى عنه عليه السلام مما يدل على أنه أعلمهم فهو قوله عليه السلام لفاطمة عليها السلام : « زوّجتك أكثرهم علما » ، وفي بعض الأخبار : أعلمهم علما . ويبين ذلك ما روى عنه من أنه كان يدعى أن عنده من العلم ما لا يجد له حملة ، إلى غير ذلك من الألفاظ المحكية في هذا الباب من غير إنكار يجرى ، بل كانت التجربة تكشف ما يدل على صحة دعواه حالا بعد حال . وقد علمنا سائر ما يحتاج إليه في الدين كان مستمرّا في أصول الدين وأصول الشرع وفروعه وإن غير حدوث الأمور المشتبهة كان يبيّن فضله وتقدّمه ؛ فما كان بينه غيره عليه حتى كان لا يقف في جواب ذلك . وقد ثبت أيضا في سبب ذلك ما يقوّيه ، وهو أنه كان ملازما لرسول اللّه صلى اللّه عليه لا يكاد يفارقه مع ما اختص به من فضل الفطنة والمعرفة ، فقد كان عليه السلام شديد الإقبال على تعليمه ، ولهذا الوجه صارت عائشة متقدمة في العلم لسائر النساء ، لأنها كانت الملازمة ، وكان صلوات اللّه عليه لميله إليها يعرفها الأمور ، وكل ذلك يبيّن صحة ما قدمناه في هذا الباب .
ويدخل في هذه الجملة كونه أولهم علما باللّه ورسوله وإسلاما . وقد بيّنا اختلاف الناس فيه قديما وحديثا ؛ فمنهم من يقول : إنه أقدمهم إسلاما ، ومنهم من يقول ذلك في أبى بكر ، ومن يذهب هذا المذهب يقول : إن إسلامه عليه السلام وإن تقدّم لم يكن بإسلام صحيح ، لأنه كان في حال الصغر ، ويقول : إن إسلام أبى بكر أشق لأنه عدول به عن عادة وطريقة وإزالة الشبهة ممكنة ؛ ومن هذا حاله يكون إسلامه
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 138
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص١٣٨