في الحقيقة فإنما نعلمه صلاحا إذا ثبت بالسمع ، ومتى لم يثبت فيه فالذي يقتضي التكليف ليس إلا ما قدمناه . وقد بيّنا أن العلم بكون أحدهما أفضل لا يكون شرطا في شيء من التكليف ، لأنه لو كان شرطا لم يكن إلا فيما ذكرناه من المدح والتعظيم ؛ أو في باب الإمامة ، فإذا بطل كلا الوجهين لم يبق إلا ما قدمناه ، وطريقة غالب الظن توجب في باب المراعاة من هذا الباب في طريقة العلم ، لأنه الأصل في التكليف على ما قدمنا القول فيه ، وطريقة العلم إنما تثبت بأمر زائد ، فصار من يعتبر في باب التفضيل الموازنة أقوى قولا من الوجه الّذي قدمناه .
واعلم أن أحد ما يعظم به الفعل ويعظم تأثيره في تقوية الرسول ، لأن ما قوى حاله كان مؤثرا في قوة الدين ، ولذلك ذكروا في هذا الباب أول من أسلم ، لأن المتعالم أن السابق إلى الإسلام يكون / تأثير فعله فيما يعود على الرسول أقوى من تأثير المصلى والتائب ، فلذلك جعلنا الوجه في فضل الإنفاق من قبل الفتح والقتال كذلك ، لأن المتعالم أن تأثيره في تقوية الدين أعظم ، وعلى هذا الوجه ذكر من فضل أبى بكر إنفاقه على الرسول واتخاذه المسجد وإظهاره وكثرة مستجيبيته في هذا الباب ، لأن ذلك تقوية عظيمة في باب الدين ، وعلى هذا الوجه تعظم مواقف أمير المؤمنين في الجهاد وقتله للكفار ، لأن ذلك عز للدين وتقوية للإسلام وإذلال للكفر ، وهذا مما يبين لك طريقة الكلام في هذا الباب .
ونحن نفصل بعض ذلك فنقول : إن أمير المؤمنين اختص في باب العلم بما ليس لأبى بكر ، وذلك لأنه إنما يعلم فضل العالم بما يظهر منه في الأوقات المختلفة عند الحاجة وفي جواب المسألة وعند التعليم وعلى حد الابتداء .
وقد علمنا أن الّذي ظهر في ذلك من أمير المؤمنين أكثر ، وذلك مما يتبينه من نظر في خطبه ومواعظه ومواقفه في الحروب التي دفع فيها إلى الموافقة والمناظرة . وقد بيّنا من قبل أن العلم بهذه الأمور يدعو إلى إظهاره فإنه في بابه
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 136
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص١٣٦