وحكمتم الرجال ، فقال لهم عند ذلك : إنما يجب فيما لا شبهة فيه عند أحد ، فأما عند الشبهة فقد يجوز التوقف ، وأن الباغي من الفريقين معاوية وأصحابه مما قد نجوز فيه الشبهة ، فلذلك صح التحكيم . وهذه الجملة أبين ما نورد على القوم .
وقال شيخنا أبو علي : إنه عليه السلام إنما يطعن في تحكيمه بأن يقال : حكم في دين اللّه فاسقا ، لأنه كان يعتقد في أبى موسى خلاف ذلك وإن كان قعد عن نصرته ، وأما اقتران عمرو به كالشرط في حكمه ، كما أن حكمه بالكتاب شرط في جوازه عليه فلم يحكم فاسقا على وجه ، وبيّن أن التحكيم من الزوجين إذا حسن مع علمنا بأنهما هو الظالم فغير ممتنع في باب الإمامة وإن علمنا المستحق لإزالة الشبهة عن الغير .
وهذه الجملة كافية في إبطال قول الخوارج وتعلقهم بالتحكيم ؛ وما قدّمنا من تسمية النبي صلى اللّه عليه لهم بالمروق من الدين وغير ذلك يدل على فساد طريقتهم ، وإنما بنى الخوارج سائر مذاهبهم على هذه الشبهة فيما يتصل بالإمامة ، وعلى شبهة الوعيد فيما يتصل بالتكفير ، وقد بيّنا فساد قولهم في الوجهين فلا وجه بعد ذلك للتشاغل بفروعهم لدخولها تحت سائر ما قدمناه ؛ وباللّه التوفيق في هذا الباب .
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 111
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص١١١