تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 107

مساهمون:

ص١٠٧
مخالفا لحسن منه الرضا بما يؤدى إلى لزومه المجلس مدة وسماعه الحجاج والبيان ، فعلى هذا جرى التحكيم من أمير المؤمنين وصرف الأصل فيه إلى مدة ولم يكن يظن بأبى موسى مع صحبته وتفقهه في الدين أن يخفى عليه الأمر مع ظهوره ، ولا أنه يخدع في الأمر الواضح فرضى بذلك ، وكان عنده أن الرضا بذلك أولى في الرضا وأقرب إلى رد ما جاء من « 1 » قلوب القوم من الشبهة ، وأراد بذلك أن يتمكن من بعد من معاودة القوم ومناجزة الحرب ، فوقع الأمر بخلاف ما ظنه ، فصار العيب على غيره دونه ، وذلك بمنزلة توليته عليه السلام من ولّاه ممن أخطأ وأقدم على ما لا يجوز . وقد قال شيخنا أبو جعفر الإسكافى ما يدل على أن أمير المؤمنين لم يرض بالتحكيم في الحقيقة ، وإنما أظهر الرضا لخوف الفتنة . وروى عنه أنه قال لهم : « لقد أمسيت أمير المؤمنين وأصبحت اليوم مأمورا ، وكنت أمس ناهيا فأصبحت اليوم منهيّا ، وقد أحببتم البقاء وليس لي أن أحملكم على ما تكرهون » . وروى ما يدل على أن القوم أظهروا الرضا بذلك ، ولم يكن قصدهم حكم الحكمين ، لأن قيس بن سعد قال لأهل الشام : قد دعوتمونا إلى ما عليه قاتلناكم ، ولم يكن ليرجع أهل العراق إلى عراقهم ، ولا أهل الشام إلى شامهم بأمر أجمل منه ، وأن يحكم بما أنزل اللّه تعالى ، فالأمر في أيدينا دونكم ، وإلا فنحن نحن وأنتم أنتم . قال : وقد كانت الشبهة ودوام القتال وكثرة القتل أورثتهم فشلا ، فأثر فيهم رفع المصاحف وما كان من القوم عند ذلك . وقد روى عن عبيد اللّه بن عمر أنه وقف بين الصفّين فقال : يا أهل العراق ، كانت بيننا وبينكم أمور فإن تكن للدين فقد واللّه عذرنا ، وإن تكن للدنيا فقد أسرفنا وأسرفتم ، وقد دعوناكم إلى ما دعوتمونا إليه فأجبناكم ، فاغتنموا / هذه الفرصة التي لعله أن يعيش بها الحي ويبشر بها القتلى ، ومثل هذا الكلام إذا صادف قلوبا خامرتها الشبهة تقدر « 2 » فيها الحيلة فوقع التحكيم على هذا الوجه .
هامش
( 1 ) كذا في الأصل ، ولعلها ( إلى ) ( 2 ) كذا في الأصل