فإن قيل : إن التحكيم يجب أن يصحّ لأنه يتضمن الرضا بما يحكم به الحكمان من إثبات ونفى ، ولا بد من أن يكون / أحدهما بإطلاق الرضا بالباطل قبيح « 1 » لا محالة ؛ قيل له « 2 » : هذا إن كان عليه السلام ورضى « 3 » بحكمهما مطلقا ، فأما إذا كان إنما رضى بحكم الكتاب دون حكمهما ، وقد علمنا أن حكم الكتاب لا يكون إلا حقّا ، فقد صار التحكيم لا يتضمّن إلا الرضا بالحق .
وبعد ، فلو صح ما قالوه لوجب أن لا يحسن من الإمام أن يولّى حاكما وأميرا مع تجويزه أن يحكم بالباطل بأن يقال : إن توليته إياه تقتضى الرضا بالحكم فإذا بطل ذلك بأن يقال : إنما نوليه ليحكم بالكتاب والسنة فلا يلزم هذا القول وجب بمثله بطلان ما ذكروه ، فإن قال : إنما « 4 » حكم بالكتاب فما الحاجة إلى الحاكمين ، قيل له :
لأن الكتاب لا ينطق بنفسه فلا يمتنع أن الحكم من يظهر ما فيه من دلالة الحق فيبينه ودلالة الباطل فيزيله ، وقد كان عليه السلام عالما بأن الكتاب لا يقتضي إلا إثبات أمره ، فإن قيل : أليس الحاكم قد يجوز أن يغلط إذا تأمل الكتاب وتصور الحق فلما ذا رضى بذلك ؟ قيل له « 5 » : لو كان تجويز ذلك يبطل التحكيم لوجب بطلان تولية من يجوز الغلط عليه ، على أنه يقال لهم : إذا كان إنما رضى بحكمهما في أمر مخصوص على وجه مخصوص ، فإن عدلا عن هذه الطريقة صار الّذي يأتيان به بمنزلة أمر مبتدإ فلا يؤثر ، ويكون وجوده كعدمه ، ويصير [ بمنزلة « 6 » ولى أمر أفحكم في غيره ] ، وهذا لا يمنع من صحة التحكيم ، على أن الأصل في التحكيم ما ورد به الكتاب في شقاق الزوجين ، لأنه قال :
( فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِها )
فأمر تعالى بالحكمين في ذلك مع تجويز أن يريدا إصلاحا أو إفسادا ، ولذلك قال تعالى :
( إِنْ يُرِيدا إِصْلاحاً يُوَفِّقِ اللَّهُ
هامش
( 1 ) كذا في الأصل .
( 2 ) الأول حذف ( له )
( 3 ) كذا في الأصل .
( 4 ) كذا في الأصل ولعله « إن » بدل « إنما »
( 5 ) الأولى حذف « له »
( 6 ) لعله : بمنزلة من ولى أمرا فحكم . . الخ .