لا يجب ما ذكرته ، لأن إظهار كلمة الكفر وغير ذلك يحسن عند الإكراه وجوب المضرة ولا يحسن في / سائر الحالات . وقد بيّنا أن ما المقصد فيه دفع المضرة لا يحسن مع زوالها ، وهذه طريقة ثابتة في العقليات والسمعيات فلا وجه لما سألوا عنه .
فإن قيل : أليس التحكيم في أمره وأمر القوم يقتضي شكّه في أنه المحق وفي أنه الإمام ، لأنه إن كان على بصيرة وتبيّن فلا وجه لهذا التحكيم ، وما هذا حاله يقبح على كل حال ، ويخالف ما ذكرتموه من كلمة الكفر .
قيل له : لو كان ذلك مما يدل ظاهره على ما قلته لم يدل ذلك إلا إذا كانت هناك أحوال تغيّر حكمه ، لأن كلمة الكفر مع الاختيار تدل من حال المتكلم على اعتقاد ذلك ، ومع الإكراه لا تدل عليه ، ودلالة هذه الأمور هو بمنزلة دلالة الكلام الّذي إنما يدل باختيار فاعله ، ولا يمتنع أن يتغير حكمه بما يقترن به من القرائن ؛ فمن أين أنه يدل على ما ذكرتموه ، وقد ظهر من أصحابه عليه السلام ما ظهر ، هذا لو سلم ما قالوه من كونه دالّا على الشك ، فكيف وقد علمنا أنه لا يدل على ذلك ، لأنه قد يجوز أن يرضى بالتحكيم لإزالة الشبهة عن قلب غيره ، وإن كان على ثقة بيقين وبصيرة ، ويجرى ذلك في بابه مجرى ما يفعله من المناظرة والتشدّد في ذلك ، أو يأمر به ، لا أنّا شاكون لكن لإزالة الشبهة عن الغير ، فما الّذي يمنع من مثله في باب التحكيم فكيف يجوز أن ثبوتهما على أمير المؤمنين عليه السلام أنه رضى بذلك الشك مع أن الحكم بحاله لمن شاهده ، ولنا من جهة الخبر ضرورة بأنه كان على بصيرة ويقين ، وقد كان يظهر منه في ذلك الوقت ما يبيّن ذلك من حاله ، فلو كان الأمر في دلالة التحكيم ما ذكروه لكانت هذه الأحوال بمنزلة كلام متصل بكلام في أنه يغير دلالته .
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 103
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص١٠٣