فصل في بيان الأحكام التي تعلم بالسمع ؛ وما يتصل بذلك
/ قد بينا أنه قد يعلم بالسمع ما له تعلق بالتعبد ، لأنه إنما يرد من جهة الحكيم ، على طريقة الدلالة ، ولا يجوز أن يدل المكلف إلا على ما يستفيد به العبادة ، أو ما يتصل بأمر تعبد وترغيب ، وزجر ، وتخويف ؛ وقد بينا القول في ذلك ؛ والتعبد لا يكون إلا في الأفعال ، وينقسم إلى وجهين :
أحدهما - يكون التعبد فيه بتغير حاله عما ثبت في العقل ، لأن كلا الوجهين يفتقر في معرفته إلى السمع ؛ والوجه الأوّل يدخل تحته وجوب الأفعال ، والترغيب فيها كالنوافل ، فيدخل تحته قبح الأفعال وحظرها ، لأن التعبد « 1 » بما يتعلق في الأوّل بأن تفعل ، يتعلق في الثاني بأن لا يفعل ، ويتجرّد منه ، فيدخل تحت الوجه الثاني الإباحة ، لأنها ، وإن لم تكن داخله في التعبد من حيث لا يستحق المكلف عليه الثواب ، فإن إباحة ما ورد الشرع بإباحته تتضمن تعين التعبد ، لأنه لولا الشرع لكان من باب المحظور أو غيره ، فالشرع يعبر عن حاله ، فتعلق التعبد به من هذا الوجه .
وقد بينا من قبل معنى القبيح وحقيقته ؛ وحد الواجب والندب ؛ وحد المباح ، فلا حاجة بنا إلى إعادة ذكره .
واعلم . . أن ما ثبت قبحه بالدليل السمعي يسمى محظورا ، من حيث حظره حاظر بالخطاب وما يجرى مجراه ، ثم بنى المتكلمون على ذلك القبائح العقلية ، لأنهم
هامش
( 1 ) الكلمة في الأصل سائلة المداد ، وما هنا ترجيح بالسياق .