تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 94

مساهمون:

ص٩٤
فإن قال : فيجب أن تقولوا : إن ما في القرآن لا يدل على التوحيد والعدل وأن لا تحتجوا بذلك على المخالفين . قيل له : ليس يصح الاحتجاج بذلك في إثبات التوحيد والعدل ، وإنما نورده لنبين / خروج المخالفين عن التمسك بالقرآن ، مع زعمهم أنهم أشد تمسكا به . ونبين أن القرآن كالعقل ، في أنه يدل على ما نقول ، وإن كانت دلالته على طريق التأكيد . وقد تقصينا القول في ذلك ، في مقدمة « متشابه القرآن » . قلنا : الّذي قدمناه لا يجوز في الخطاب أن يدل على الأحكام الراجعة إلى ذوات الأشياء ، لأن العلم بها يجب أن يكون في حكم المتقدم ، لأنا متى لم نعلم في العلم أنه يوجب كون العالم عالما فكيف نوجب ذلك ؟ لا نعقل بالمخاطبة هذا المعنى ؛ فحصل من هذه الجملة أن الخطاب إنما يدل على طريقة الاختيار ، فإن دل على طريقة الخبر فإنه يدل على ما كان ، وما يكون ، مما يجرى مجرى الغيب ، ويدل على أحكام الأفعال ، فيعلم به وجوبها وقبحها ، إلى ما شاكل ذلك . ويدل على ما يتصل بهذه الأحكام ، من سبب ، وعلة ، وشرط ، ووقت ، إلى غير ذلك ، على ما سنبينه فأما ما ليس بخبر لكنه يجرى مجرى الأمر والنهى ، وما شاكلهما فإنما يدل على أحكام الأفعال فقط ، والوعد والوعيد داخل فيما ذكرناه ؛ لأنهما يدلان على ما يختاره تعالى ، من فعل المستحق بالمكلف ، وإن كنا قد بينا أن فعل الثواب يعلم بالعقل ، وأن فعل العقاب لمستحقه لا يعلم إلا بالسمع ، لتجويز إسقاطه وغفرانه من جهة العقول ، ولا شيء يدل السمع عليه يخرج في الجملة عما قدّمناه . ونحن نفصل ذلك الآن ، ثم نتبعه بذكر أدلته على الجملة .
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 94 | القاضي عبد الجبار الهمذاني