فإن قيل : فأنتم تقولون : إن النسخ لا يقع بالإجماع ، وإن كان دليلا قاطعا .
قيل له : لو وجد على الوجه الّذي يكون نسخا لصح أن يقع النسخ به ، وإنما منع من ذلك لأنه لا يوجد ، أو يمنع متى وجد من أن يسمى نسخا ، فالذي نقوله في هذا الباب ونظائره مخالف لما ذكرناه . وقلنا إن الخلاف لا يجوز أن يقع فيه ، وقد يقع البيان في التخصيص وغيره بالإجماع ، والأفعال ، لأن الدلالة قد دلت على أن الإجماع حجة ، على ما سنبينه . وثبت بالدليل أن أفعال الرسول ، عليه السلام تكون حجة كأقواله ، فالحال فيهما كالحال في الخطاب ، في أنه إذا صح كونهما حجة في ابتداء الأحكام ، فكذلك في طريقة التخصيص والبيان لما ذكرناه من العلة .
فأما إذا كان التخصيص « 1 » يقع بما يتصل بالكلام كالتقييد والاستثناء فالقول فيه أظهر ، لأن الكلام بتمامه يدل ، فإذا اتصل به الاستثناء أو الشرط دل على خلاف ما يدل إذا كان مطلقا ، وكذلك القول في التقييد ، والأوصاف المخصصة ، وهذا أيضا مما لا يصح أن يقع فيه الخلاف ، ولذلك استبعدنا أن يصح ما حكى عن ابن عباس ، في الاستثناء بعد / زمان ، وإنما يقع الخلاف في الشرط والتقييد إذا كان في مثل الحكم المذكور ، أو في جنس الحكم المذكور ، على ما تكلم فيه الفقهاء ، فأما إذا كان في غير الحكم وفي نفس « 2 » الخطاب فالشبهة زائلة ، ولذلك لم يختلفوا في أن التتابع شرط في كفارة القتل ، والظهار ، لما ثبت شرطا فيهما مجانسة لهما في كونهما كفارة ، وكذلك القول في كون الرقبة مؤمنة ، إنما اختلفوا حيث لم يقيد فيه ، وهي كفارة الظهار دون كفارة القتل ، وقد بينا في أصول الفقه : أن المقيد « 3 » إنما يؤثر في الحكم المطلق إذا كان داخلا عليه ، فأما إذا كان
هامش
( 1 ) قبلها حلية تشتبه بلفظ في ، ولكن الراجح أنها ليست كذلك .
( 2 ) الكلمة في الأصل مشتبه ، وهذا أرجح ما تقرأ به .
( 3 ) تقرأ في الأصل « ألم ؟ ؟ ؟ » وما هنا يرجحه السياق .