فصل في مفارقة حال من ليس بمخاطب للمخاطبين في البيان ، وافتراق أحوال المخاطبين فيما يفترقون فيه ، واتفاقهم فيما يتفقون وما يتصل بذلك
اعلم أن من ليس بمخاطب بالخبر والأمر والنهى ، البتة ، لا يجب أن يبين له المراد بها ، لأنه لا يحصل له من حكم الخطاب إلا إدراكه له ، وسماعه فقط ، ولا يجب من هذا الوجه أن يبين له ، ولذلك لم يجب أن يبين جل وعز لنا المراد بسائر كتبه .
يبين ذلك : أن البيان كالتابع للإقدار والتمكين ، فإذا لم يجب في من ليس بمخاطب أن يمكن ذلك فكذلك لا يجب أن يبين له .
فإن قال : أليس بيانه تعالى للمخاطب قد يكون بيانا له ، فإذا وجب ذلك بقدر وجب أن يبين له :
قيل : إنه تعالى يقصد بالبيان من يخاطبه ، فمن ليس بمخاطب ، وإن سمع ذلك لا يكون بيانا له ، بل يجب أن يجوز في البيان ظاهره ، وإن لم يجوز المخاطب ذلك ، إلا أن يحصل هناك دليل يمنع منه فكذلك للدليل ما لا يجوز خلاف ظاهره ، من حيث كان مخاطبا لا دليل سواه ؛ وهذا فرق واضح . فأما المخاطب فعلى أقسام ثلاثة :
أحدها - أن يكون مخاطبا بما يفيده الخطاب من تكليف وترغيب / وزجر وتهديد ، فلا بدّ من أن يبين تعالى مراده ، لمن هذه حاله ، كما لا بدّ من أن يمكنه بسائر وجوه التمكين .