تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 48

مساهمون:

ص٤٨
قيل له : ولما ذا يجب التوقف فيه مع كونه دلالة على المراد ، وإن منع من كونه دلالة على المراد كلمناه بما سلف ، فإن اعترف بأنه دلالة على المراد ، قلنا له : فلما ذا خرج من أن يكون دالا على المراد . فإن قال : لوقوع الاضطرار إلى مراده بخطاب آخر . قيل له : فكيف يتغير حال الدلالة فيما يدل ، وصحة استدلال المستدل به ، من حيث اضطر إلى معرفة أمر سواه ؟ وهذا إن قاله يلزمه أن لا يصح أن يعلم بالاستدلال بيننا من حيث كما نضطر إلى المشاهدات وكثير من أحوالها ؛ وإنما يصح / ما قاله في نفس ما يضطر إلى المراد به ، لأن العلم الضروري يمنع من الاستدلال عليه . فأما إذا كان الاضطرار في خطاب والاستدلال بخطاب آخر فكيف يصح ما قاله ؟ وهذا يبين أنا لو سلمنا أنه تعالى يضطر إلى المراد ببعض خطابه لم يخرج الخطاب الآخر من أن يستدل به على المراد ، إما بظاهره ، أو بظاهره مع القرينة ؛ على أن هذا القول يوجب فيما زعم أنا نعرف به المراد من كتاب اللّه أن نقول : إنا مضطرّون إلى معرفة مراده من ذلك ، ولا فرق بين هذه الدعوى وبين من ادّعى في سائر المعارف علينا الاضطرار ، لأن ما ندفع به ذلك قائم في هذا الموضع ؛ على أنا قد بينا أنه كان يجب في من نعلم أنه لا يعلم ذلك ، أن يكون معذورا ، وأن تكون الحجة لازمة له إذا عرف ؛ وهذا يوجب في سائر من خالف الملة أن يكونوا معذورين ، في سائر ما كلفناه سمعا ، لأنا نعلم باضطرار أنهم يعتقدون فيها أنها غير لازمة ؛ على أنا قد بينا أنه تعالى لا يجوز مع التكليف أن يضطرنا إلى المراد بخطابه ، وبينا أنه لا فرق بين من أجاز ذلك ، وبين من جوّز الاضطرار إلى العلم بسائر صفاته ، وإن كنا لا نعلم ذاته إلا باستدلال ، وكشفنا في القول في ذلك من قبل .