في القبلة : إن أحدا من المجتهدين لم يكلف إصابتها ، وإنما كلف جميعهم الفكر في الأمارات ، وغالب الظن ، وأن يعمل في التوجه ما يطابقه ؛ فالحال فيها كالحال في مسائل الاجتهاد ، ولكن هذا التعبد في القبلة لا يصح إلا وهناك عين قائمة ، لتصح طريقة الأمارة ، ولو أن الأمارة صحت من دونه كان لا يمتنع ذلك في القبلة ، التي لا بدّ منها في هذا الباب ، بمنزلة الأصول / في المسائل الاجتهادية التي لا بدّ منها في صحة الأمارات ، فإن أراد المريد بالعين القائمة ، والأمر المطلوب ، والأشبه عند اللّه ، أحكام الأصول فذلك غير ممتنع ؛ فأما أن يريد غيره فبعيد من الوجه الّذي ذكرناه ؛ وكذلك القول في خطأ الرامي للكافر ، وفيما عداها في المسائل ، فلا وجه للإطالة بذكرها .
فأما المروى عنه ، صلى اللّه عليه ، من قوله « إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران ، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر » فهو سديد ؛ إن صح على ما ذكرناه من المذهب ؛ لأنه قد يجوز أن يكون مخطئا ما هو الأنفع ، وإن لم يكلف إلا ما فعله ، فينقص أجره ، عن أجر غيره ، كما ينقص أجر المكفر ، إذا اختار الإطعام ، عن أجر من اختار العتق ؛ وإن كان كل واحد منهما متضمنا لما كلف . وقد يجوز أن يكون المراد من أصاب طريقة في الاجتهاد ، هي أقرب إلى سنة مروية عن أحد الصحابة فله من الأجر ما ليس لمن أخطأ / وإن أدى ما كلف . وقد قال « الشافعي » إن أدنى منازل المخطئ أن يسلم من العقاب ؛ فكيف يصح أن يستحق الثواب ؛ وهذا أقوى في أن قولنا : إن كل مجتهد مصيب ، وأنه تأول ذلك على أنه أخطأ أولى الاجتهادين ، وإن كان قد أدى ما كلف ، فلذلك استحق الثواب عليه ، وهذا الخبر وأشكاله إذا صح فهو قوى في الدلالة على قولنا ، لأنه ، صلى اللّه عليه ، أثبت لهما على اختلاف قولهما وحكمهما الأجر فيما فعلاه ؛ ولا يصح مع ذلك أن يكون أحدهما مخطئا ، وما روى عنه من تصويبه « معاذا » في أن يجتهد رأيه عند عدم النص يدل على ما قلناه .
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 379
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٣٧٩