لأن العقل يشهد بأنه لا فرق بين الكذب في القبح ، وبين فعل ما يوجب أن الكلام كالسكوت ، لأنه يجرى مجرى العبث ، بل يزيد على ما تقدم القول فيه ، فإذا صحت هذه الجملة / فلو جوّزنا على القديم تعالى أن يخبر ويعمى مراده حتى لا يظهر لأحد من المكلفين على وجه تمكنهم معرفته ، وقد ثبت أن الحاجة لا تجوز عليه تعالى عن ذلك ، ولا يصح مع التكليف أن يضطر إلى مراده ، لأدّى إلى أن كلامه عبث ، بل يؤدّى إلى إخراج كلامه من أن يكون دلالة ، وتعريفا وبيانا ، وهذا أعظم في القبح من كونه عبثا وكذبا ؛ لأن الكذب قد لا يوجب في غيره من الكلام هذا المعنى ، وكذلك العبث وما ذكرناه ، قد أوجب في سائر الكلام ما بينا ، فيجب أن لا يجوز عليه تعالى ما هذا حاله وإن كان الخبر صدقا ، لأننا قد بينا أن مع كونه صدقا قد يقبح لوجوه توجب فيه من القبح مثل ما يوجبه كونه كذبا .
واعلم . . . أن الخلاف بين الناس في هذا الباب من وجوه ، مع اتفاق جميعهم أن كلام اللّه تعالى دلالة ، ويفتقر « 1 » لفائدة ومصلحة ؛ فمنهم من قال : إن كل خطابه تعالى الّذي له ظاهر فلا بد من كونه دالا على المراد ؛ فأما العموم وما يجرى مجراه مما لا ظاهر له فإنه لا يدل على المراد ، ويجوز منه تعالى أن لا يبين مراده في ذلك وإلى ذلك ذهب « ابن شبيب » ومن معه ، لأنهم يسلكون في خطابه تعالى ما نقوله ، لكنهم يقولون إن العموم لا لفظ له في اللغة ويجوّزون تأخير البيان ويجوّزون في الوعد والوعيد أن لا يقع البيان ، لأن الغرض الترغيب والتخويف / وقد يفعل بذلك وإن لم يقترن بهما بيان المراد . ثم عند ذلك اختلفوا :
فمنهم من قال : نقطع على أن الأقل مراد ، ونقف فيما زاد عليه .
ومنهم من يقف في الجميع .
هامش
( 1 ) مشتبهة الرسم ، وهذا أقرب للسياق .