ويدل عليه كتاب أو سنة لا يصح إضافته إلى رأيهم ، فذلك من أدل الأدلة على أنهم أرادوا بذلك طريقة الاجتهاد ، الّذي يتبع غالب الظن ؛ لأنه لا يمكن أن يقال : أرادوا بالرأي الإدراك أو العلم ، أو المذهب الجاري مجرى العلم والجهل ، فلا بد مما ذكرناه ، وبسط القول في ذلك .
وبين أن ما وقع النكير فيه بلفظ الرأي في موضع مخصوص لا يجوز أن يعترض به على ما قلناه خصوصا وإنما وقع / ذلك من قائس ومتمسك بطريقة الرأي ، فلا بد من حمله على طريقة من التأويل ؛ وهذا يدل على أن القوم سلكوا في هذه الفروع وطلب حكمها في الأصول بطريقة الاجتهاد والقياس ، مسلك ما يتعلق بالرأي ، من أمور الدنيا ؛ والحروب ، وما شاكلهما ، ولذلك أضافوا القول فيه إلى الرأي ؛ ولذلك ما قال أمير المؤمنين عليه السلام : كان رأيي ورأى عمر المنع من بيع أمهات الأولاد ، ثم رأيت بيعهن ؛ فانتقل من رأى إلى رأى ، من غير ذم منه لإحدى الطريقتين ، ولا إنكار منه بالمتجدد على السالف . وهذا بين فيما أردناه .
واعتمد « أبو هاشم » على خبر « معاذ » في تصويب رسول اللّه ، صلى اللّه عليه ، له حيث ذكر أنه عند عدم الكتاب والسنة يحكم باجتهاد رأيه ؛ ووجه الاستدلال به ظاهر ؛ وإن كان قد ضعف « أبو علي » صحة الخبر ، وذلك أنه ، صلى اللّه عليه ، صوبه في اجتهاد الرأي ، ولا يكاد يضاف الاجتهاد إلى الرأي إلا والمراد طريقة القياس والاجتهاد ، لأنه لو كان اجتهد بأن نظر في النص لم تصح هذه الإضافة ، ولبطل بما ذكره ، من انتقاله إلى ذلك عند عدم الكتاب والسنة ، لأنه إن اجتهد النص الموجود في أحدهما لم يعدم الكتاب والسنة ، فلا يصح أن يرتب الاجتهاد مرتبة ثالثة .
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 300
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٣٠٠