الحكم ، لا محالة ؛ ويكون ذلك بمنزلة ما تقرر في العقول ، من أن رؤية السبع أمارة / الخوف ، والخوف دلالة على وجوب الهرب ، ويكون ذلك بمنزلة ما ثبت في السمع ، من وجوب التوجه إلى الكيفية عند فقد المعاينة أنه يتبع غلبة الظن ، وغلبة الظن تتبع الأمارة ؛ وكذلك القول في قيم المتلفات ، وأروش الجنايات ؛ وكذلك القول في جزاء الصيد ، سواء اعتبر فيه التماثل بالخلقة ، أو القيمة ؛ ومثل نفقة الزوجات ، ووجوب المتعة في المطلقات ، ووجوب الرجوع إلى الحكمين عند الشقاق ؛ ووجوب كثير من الأمر بالمعروف ، والنهى عن المنكر ، وتأديب الأولاد وتعليمهم ، إلى غير ذلك ، مما يكثر ؛ فإذا صح تعلق كل ذلك بغالب الظن ، فما الّذي يمنع أن يتعبد تعالى بالقياس ، ويكون الحكم فيه متعلقا بغالب الظن .
فإن قال : يمنع من ذلك أنه تعالى حرم الإقدام من غير معرفة بحاله ، فإذا كان الظن قد يختلف ، وقد يكون مظنونه على خلاف باطنه ، فكيف يصح تعلق الأحكام به ؟ .
قيل له : إن ذلك إن أوجب فساد التعبد بسائر ما قدمناه ، عقلا وسمعا ، وذلك ما لا يستجيزه عاقل ؛ ثم الجواب في جميعه أنا وإن علقنا الحكم بغالب الظن فالحكم معلوم ؛ لأنه لا يجب إذا كان طريقه الظن أن لا يكون هو إلا مظنونا ، بل قد يكون معلوما . . يبين ذلك أن الخوف من السبع ظن ، لأن المشاهدة له لا تقطع على أنها سبب / يناله مكروه لا محالة ، ويعلم عند ذلك وجوب التحرز ؛ وكذلك القول في سائر ما قدمنا ذكره ؛ فلم نقل بأنه ، جل وعز ؛ من حيث تعبد بالقياس ، المتعلق بغالب الظن ، أنه قد يجوز للمكلف الإقدام على ما لا يعلم قولا وفعلا ؛ على أن هذا السائل يلزمه تجويز التعبد بالقياس ، الّذي يتبع الدليل ، وليس ذلك قولهم .
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 294
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٢٩٤