فصل في جواز التعبد بالقياس والاجتهاد
إذا ثبت بما قدمناه صحة ذلك ، وصحة التوصل إلى معرفة العبادات فغير ممتنع أن يتعبد ، جل وعز ، به من حيث لا يمتنع أن يكون المعلوم من حال المكلف أن صلاحه في التعبد أن يتوصل بالقياس إلى بعضه ، وبالنص إلى بعضه ، لأنه لا يمتنع في طريق الأدلة أن يختص بكونها مصلحة ، تحل في ذلك محل نفس العبادات ؛ وهذا كما بيناه في المعارف من أنها مصلحة ، إذا كانت من قبلنا ، فغير ممتنع أن تكون المصلحة في اجتناب شرب الأنبذة أن يكون المكلف قد فكر ونظر وقاسها على الخمر ، بالطريق الّذي ينبه الشرع « 1 » عليه ، ولذلك صح اختلاف أدلة السمع .
فإن قيل : لسنا نمنع من التعبد بالقياس إذا كان دليلا قاطعا ، وإنما يمتنع منه ، إذا كان متعلقا بأمارة ، والحكم فيه تابع لغالب الظن .
قيل له : قد ثبت بالعقل والسمع صحة تعلق الأحكام بغالب الظن ، فما الّذي ينكر من ذلك ؟
فإن قال : لست أنكر تعلق الأحكام بغالب الظن ، وإنما أنكر كونه دلالة على الحكم .
قيل له : فما الّذي يمنع من أن يكون في حكم الدلالة ، بأن يدل ، جل وعز ، على طريق الأمارة ، فيتبعه الظن ؛ ويجعل ، جل وعز ، هذا الظن دلالة على
هامش
( 1 ) في الأصل كلمة « السمع » فوق كلمة الشرع ، بين الأسطر .