وهذه الجملة تبطل قول من يطعن في التعبد بالقياس ؛ بأن يزعم أنه إذا كان فرعا للسمع فيجب أن لا يعلم إلا بالسمع ، كفروع العقل ؛ لأنا قد بينا أنه لا يعلم إلا بتنبيه السمع عليه ، وإن كانت طرق السمع تختلف ، واختلافها لا يمنع من كونها سمعا ، كما أن اختلاف أدلة العقول لا يمنع من كونها أدلة العقول ؛ وكذلك القول في سائر طرق المعارف ، ويبطل بمثله قول من يقول : إن الفكر من ثمرة العقل ، فكيف يتوصل بالسمع إليه ؛ ولئن جاز ذلك ليجوّزن أن يقف التمييز بين الألوان على السمع ؛ لأنا قد بينا أن طريقة الفكر قد تعلم بوجوه ، وكذلك المفكر فيه ، ولذلك لم يمتنع أن يقف بعضه على السمع ؛ ومن يخالف في القياس لا بدّ له من ذلك في / الأدلة التي يزعم أنها دالة ، لا بالظاهر ، مما نخالفه فيها .
واعلم . . أنه لا شبهة في أن التعبد بالسمع يحسن ، لما يعلم من كيفية اختبار المكلف ؛ لأنا قد بينا أنه لو علم أنه لا يختار إلا ما كلف على كل حال ، أو علم أنه لا يختار ما كلف على كل حال لم يحسن تعبده بالسمع ، وإنما يحسن ذلك إذا كان المعلوم أنه يختار ما كلف عقلا ، أو بعض ذلك ، أو الانتهاء عما قبح في العقل ، أو بعضه ، عند بعض الأفعال ، فيكلف فعله ، أو عند ترك بعض الأفعال ، فيحرم فعله ، على ما شرحناه في باب « النبوّات » ؛ وإذا صح ذلك وكان لا بدّ من أن يرجع في كون العبادة لطفا إلى دواعيه ؛ لأن الاختيار والإرادة يتبعان الدواعي ، والحكم في كون الفعل لطفا للدواعى دونهما ، فقد صار من هذا الوجه للدواعى ، كالعلة ، في كون العبادة السمعية واجبة ؛ لأنه متى علم أن الداعي متى دعاه إلى الصلاة اجتنب الفحشاء والمنكر ، وإذا لم يفعل الصلاة أقدم عليهما ، فقد صارت الصلاة داعية الانتهاء عن هذين ، وصار له إلى الصلاة داع قوى ؛ وهو أنه يجتنب عندها القبيح ، فلا بد من أن يعرفه تعالى من حال الصلاة ما يقوى عنده دواعيه إلى
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 289
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٢٨٩