واعلم - أن طريقة الاجتهاد لا تخالف طريقة القياس إلا أن فيما يقع له في القياس عن دليل ، ويتبع العلم يحصل في الاجتهاد عن إنفاذه ويتبع غالب الظن ، وربما يكون الاجتهاد غير متعلق بأصول معينة ، وليس كذلك حال القياس ؛ وكذلك فالقياس / الشرعي لا يخالف القياس العقلي ، إلا أن العلل في القياس العقلي تكون موجبة ومؤثرة ، كما أن حكمنا كالموجب ، وليس كذلك العلل الشرعية ؛ لأنه لا يجوز في العلل أن تكون موجبة ؛ والحكم يتبع المصلحة ، والاختيار ، فكل واحد منهما تحصل عليه في موضوعه مطابقة لحكمه ، لأنه متى لم تحصل كذلك تناقض ؛ وهذا بين في الشاهد ، لأنا لو قلنا : إن كون العالم منا عالما : لمعنى يجرى مجرى الدواعي ، لتناقض كما لو قلنا : إن اختيار الآكل الحموضة على الحلاوة لعلة موجبة ، لتناقض ؛ وقد علمنا أن الأحكام الشرعية موضوعها المصالح والألطاف ؛ ولهما تعلق كالدواعى ، ولعللهما مدخل في هذا الباب ؛ فلا يجوز في علتهما أن تجرى مجرى العلل العقلية إلى الأمور المؤثرة فيها ، ولا توجب مفارقة أحدهما الآخر بينهما اختلافا ، في صورة القياس وطريقته ، كما لا يجب إذا استعملنا القياس في الأسماء ونظرنا في علة وضعها أن تكون الطريقة مخالفة لطريقة القياس في العقل ، وإن كان لا مدخل له في طريقة الإيجاب ، ومتى أجرى كل ذلك على حد واحد انتقض ؛ لأنا لو قلنا : إن إيجاب العلة في حكمها كايجاب السبب للمسبب ؛ أو قلنا :
إن إيجاب السبب للمسبب يجرى مجرى وقوع الفعل ابتداء عن القادر ؛ أو قلنا :
إن ذلك يجرى مجرى إثبات الفعل للدواعى وللحاجة ؛ أو قلنا : إن ذلك يجرى مجرى تعلق بعض الأمور ببعض ، على طريق العادة ، لا تنقض ترتيب العقول ، عما ترتيب عليه / فلا بدّ من تقدّم علمنا لبعض العلل على ما يقتضيه الدليل ويكون الفرع فيه تابعا لأصله ؛ فكذلك القول في ضروب القياس ، لأنها تابعة لعللها
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 282
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٢٨٢