تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 278

مساهمون:

ص٢٧٨
ونبين بعد ذلك من شروطه وأوصافه ما يتجلى به الحال للمكلف ، فإنه من الفروض العظام ، وهو الّذي أراده ، صلى اللّه عليه ، بقوله : « طلب العلم فريضة على كل مسلم » ؛ لأن العلم الّذي يطلب هو الشرعيات ؛ لأن ما طريقه العقل قد كلف المرء ما يقدر في عقله ؛ فقد يستقل بنفسه في ذلك ، فلا يلزم الطلب ؛ وقد يلزمه الطلب ، وليس كذلك الشرعيات ، لأنها لا تتم إلا بالطلب ، ولا مسلم إلا ويلزمه ذلك ؛ وإن كان متى قام به فريق / سقط عن الباقين ، كما نقوله في سائر فروض الكفايات . ولهذه الجملة قلنا في القياس والاجتهاد إنهما من الدين ، واستجهلنا من قال : كيف يكون دليل من الدين ، وهو فعل القاس ! ؛ لأن هذا الرجل ظن أن الدين لا يصح أن يكون من فعل المكلف ، ولم يعلم أنه لا يجوز أن يكون إلا فعل المكلف ، كما أن العبادة لا تكون إلا فعله ؛ وظن أيضا أنه إذا كان فعلا للمكلف لم يعرف به الحكم ؛ وهذا جهل عظيم ، لأن العالم إنما يعرف الأحكام الشرعية في الفروع والأصول بفكره ونظره ، وإن كان لا بدّ من منظور فيه ؛ فإن ظن أنا نثبت القياس بأن يتبع القائس الشهوة والهوى فقد جهل ؛ لأنا لا نجوّز في ذلك إلا أن يكون ناظرا في الدليل أو الأمارة ، على ما بيناه في العقليات ؛ والقياس عبارة عن فعل مخصوص من القياس يتعلق بالأدلة والأمارات ، وما هذه حاله لا بدّ من أن يكون معقولا ، فإذا ورد التعبد به دخل في باب الديانات ، ولا بدّ للمخالفين من هذه الطريقة ، لأنهم قد يستدلون على بعض الأحكام بأدلة يزعمون أنها لا تحتمل إلا معنى واحدا ، فلا بدّ في تفكيرهم ونظرهم من أن يكون من جملة الدين ، وأن يفارق اتباع الهوى والشهوة ، فكذلك القول فيما يذهب إليه القياس والاجتهاد ، فمتى كان النظر في الأدلة استوى التكليف ؛ لأن من حق الدليل