فصل في أن الفعل لا يقتضي أن حكمنا حكمه ، صلى اللّه عليه في أفعاله ، ولا وجوب التأسي به والاتباع
الأصل في هذا الباب أنا قد علمنا أن المصالح تختلف على حسب المعلوم من حال التكليف ، ولذلك اختلفت شرائع المكلفين ، وشرائع الأنبياء ، فلا يمتنع أن يكون ، صلى اللّه عليه ، يختص بمصالح في أفعال دوننا ، كما لا يمتنع أن يكون حاله كحالنا ، والأمر في ذلك موقوف على السمع ؛ وليس بأن يقال من جهة العقل :
إن حكمنا كحكمه ، بأولى من أن يقال : إن حكمنا بخلاف حكمه / وصارت حالنا معه كحال أحد المكلفين ، مع الآخر في هذه القضية . . يبين ذلك أنه ، صلى اللّه عليه ، قد اختص بشرائع ، دون غيره ، ولم يمنع العقل من ذلك فما الّذي كان ينكر أن تكون هذه حاله في كل عباداته .
فإن قيل : فجوّزوا في الأنبياء من لا يكون الصلاح له شيئا من الشرائع البتة .
قيل له : يجوز ذلك ، كما يجوز أن تكون مصالحه بخلاف مصالح أمته .
فإن قيل : فجوّزوا على هذه القضية أن تكون كل مصالحه مخالفة لمصالح أمته .
قيل له : ذلك جائز .
فإن قيل : إنما يوجب ذلك التنفير .
قيل له : لو أوجب التنفير في الكل لأوجبه في البعض ، وقد صح أنه لا يوجبه في البعض فكذلك في الكل .