فصل في الإجماع عن خبر الواحد ، وعن غير دليل
وقد دخل في جملة ما قدمناه ما يجوز أن ينعقد الإجماع عنه ، وما لا يجوز ، ونحن نتم القول فيه .
قد بينا أن إجماعهم على الحكم يصح بسائر وجوه الأدلة ، على اختلافها :
من توقيف وقياس ، فأما إجماعهم على الشيء لأجل الخبر الواحد فقد اختلفوا ، فالذي يقوله شيخانا « أبو هاشم » و « أبو عبد اللّه » أن ذلك غير سائغ على ما حكيناه ، عند الأدلة على صحة الإجماع بالخبر الوارد لأمر يرجع إلى أن عادتهم جارية أنهم لا يطبقون على العمل بمخبر الخبر إلا والحجة قامت بما في الأصل ؛ وقد بينا صحة ذلك / فأما إجماعهم على ما طريقه التوقيف من غير توقيف فممتنع ، لأنه لا يجوز أن يكونوا مصيبين فيما اتفقوا عليه من الأحكام إلا بإصابة الدليل ، وإلا كان اعتقادهم في حكم التنجيث ، وما لا تسكن النفوس إليه ، وذلك ينافي كونه حقا وصوابا ؛ ولمثله قلنا في كل ما شرعه ، صلى اللّه عليه ، إنه عن دليل ووحى ، وأبطلنا قول من يقول : إن ذلك يصح بأن يفوّض الأمر إليه ، على ما حكى عن « مويس ابن عمران » ؛ أو بأن يختار ويعرف أنه لا يختار إلا حقا ، أو بأن يلقى في روعه ، إذا لم يرد بذلك الوحي ، فطريقة الإجماع في هذا الباب كطريقة السنة .
يبين ذلك : أن المجمعين في حكم من يؤدّى عنه ، جل وعز ، وكذلك الرسول ، فكيف يصح تجويز إضافة الإصابة إليهم ولما أصابوا دليله ؟