على الأكثر ، لأن ذلك إن وقع فهو مجاز ، لا يجوز أن يحمل الكلام عليه إلا بدليل ، وإنما قال العلماء إن الشاذ لا يعد في الخلاف إذا كان الإجماع قد تقرر وثبت وشذ البعض ؛ فأما إذا لم يثبت الإجماع فقول الواحد معتبر ، لأنه في الحقيقة مانع من الإجماع محقق الخلاف ، فلو لم يعتبر لم يجز أن يعتبر خلاف الطائفة الكثيرة أيضا . فأما من اعتبر في الإجماع إجماع العلماء دون العامة فقد بينا فساد قوله ؛ لأن العامة إذا كانت من أهل الحق عارفة بجملة الدين ، فلا بد من دخولها تحت الأدلة التي نعتبرها في كون الإجماع حجة ، ولو لم نعتبرها في الإجماع لوجب أن لا يعتبر الكثير من العلماء .
فإن قال : فكيف يعتبرون في الإجماع ، ولا مدخل لهم في الاجتهاد !
قيل له : إذا كان ما نعتبره من الإجماع مما يتعلق الغرض به بالكافة فحالهم كحال العلماء ؛ وإذا كان ذلك مما يختص العلماء فبأن يعرف في الجملة انقيادهم للعلماء ، وتركهم الخلاف عليهم ؛ فأما من اعتبر في الإجماع على المقالة بقول من اشتهر بذلك العلم دون غيرهم ، حتى لا يعتبر في الإجماع على مسائل الفقه إلا بالفقهاء ، وعلى مسائل الفرائض إلا بأهلها ، وعلى مسائل الكلام إلا بأهله ، فقد أبعد ؛ لأنه لا يجب فيمن لم يشتهر ببعض العلوم أن لا يكون من أهله ، لأنه قد يجوز أن يتكل على غيره في الفتيا والاجتهاد ، مع تقدم في ذلك الباب / ؛ وقد ثبت عن الصحابة أن بعضهم كان يحيل على بعض في الفتاوى طلبا للسلامة ، فكيف يصح هذا الاعتبار الّذي ذكره ! .
فإن قال : لأنه قد ثبت أنه لا يرجع في تقويم البز إلا إلى أهله .
قيل له : ليس الأمر كما قدرته ؛ لأنه قد يكون من ليس بمتشاغل بصنعة البز أبصر ممن يعانيه ويشتغل به ، فهذا دليل من هذا الوجه ؛ وإن كان أمر العلم
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 212
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٢١٢