جميعهم ، ليعلم دخول الشهداء في جملتهم ؛ والّذي يقتضيه ما اعتمدنا عليه من الدلالة على صحة الإجماع نظير هذا الّذي حكيناه ، لأن المؤمنين هم الشهداء ، والطريقة واحدة ، على ما تقدم ذكرنا له .
وقد بينا أنه لا يجوز أن يحذر تعالى من العدول عن اتباع سبيل المؤمنين إلا واتباع سبيلهم ممكن ، وإذا كان ممكنا ، ولم يختص في ذلك حال من حال فيجب أن يكون الإجماع حجة في كل وقت . وقد علم أنه لا معتبر بأقل الجمع في ذلك ، فالواجب أن يكون المعتبر بجميع المؤمنين فيما يجتمعون عليه ، ويصير سبيلا لهم وطريقة ، فلا يخرج عنهم إلا من نعلمه غير مؤمن ، من الكفار والفساق على ما تقدم ذكرناه له .
وهذه الجملة قد أبطلت قول من يعتبر إجماع أكثر الأمة ؛ لأنه يجب أن لا نأمن أن الصواب مع الأقل ، وقوله ، صلى اللّه عليه ، عليكم بالسواد الأعظم ، لا يدل على ما اعتبروه ؛ لأن أكثر الأمة لا يقع هذا الاسم عليه ، وإنما يقع على جميعهم ، فهو موافق لما نقوله ؛ فأما ما يروى من قوله ، صلى اللّه عليه « عليكم بملازمة الجماعة » فالمراد به الإجماع ، لأنه إن لم يحمل على هذا الوجه أوجب أن كل جماعة كانت ، أكثر الأمة / أو أقلها ، حجة ، وما يتعلقون به من أنه ، صلى اللّه عليه ، مدح الجماعة والكثرة ، فقد بين شيوخنا أن الأمر بالضد مما ذكروه ؛ لأن كتاب اللّه ، جل وعز ، ورد بمدح القليل وذم الكثير ؛ فقال
« وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ »
،
« وَما آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ »
،
« وَقَلِيلٌ ما هُمْ »
.
وقال
« . . وَلكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كارِهُونَ »
وقال
« وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ »
إلى غير ذلك . وقد قال ، صلى اللّه عليه ، بدأ الإسلام غريبا ، وسيعود غريبا ، كما بدأ ، فنبه بذلك على أن الحق مع الأقل ، وأنه لا معتبر