فأما التعلق في صحة الإجماع بقوله :
« وَمِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ »
؛ وتقوية ذلك بما روى عنه ، صلى اللّه عليه ، من قوله : لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق ، لا يضرهم من ناوأهم إلى يوم القيامة ، فبعيد ؛ لأنه ليس فيه بيان الأمة المذكورة ، وهل هي من الإنس أو من الملائكة ، أو من أمة الأنبياء المتقدّمين أو أمة رسولنا / صلى اللّه عليه ؛ فالتعلق بذلك يبعد ؛ ولو كان ما ذكروه من الخبر متواترا لكان التعلق به أقرب ؛ وإن كان ظاهر لفظه يقتضي أن طائفة من أمة معينة تختص بهذه الصفة ، وقد علمنا أن ذلك لا يصح إلا بأن يحمل على ضرب من المجاز ، فيقال : المراد بذلك طائفة بعد طائفة ، في كل زمان ؛ أو المراد بذلك طائفة واحدة تظهر على الحق في خفائها ، وبعد انقراضها بما ينقل عنها ، والأوّل أقرب إلى المراد ، لكنه لا يدل على صحة الإجماع ، وإنما يقتضي ظهور هذه الطائفة ، وعلوّ حالها على الكفار ، فيما يتعلق بإعزاز الدين .
فأما التعلق في صحة الإجماع ، بأن المتعالم من حال أمة الرسول عدو لهم عن الأوطار « 1 » واللذات ، على جهة التدين ، وأنفتهم من الكذب ، وإظهارهم العار ، في اتباع الغير وتقليده إلا بعد وضوح الحجة ، فكيف يصح وهذه حالهم أن يتفقوا على الخطأ ، فبعيد ؛ وذلك لأن كل الّذي ذكروه لا يمنع من صحة اتفاقهم على الشيء لشبهة ظنوها دلالة ؛ لأن هذه القضية قائمة في كثير ، من أمم من تقدّم ، وقد اتفقوا في ذلك على الخطأ من هذا الوجه ؛ وهي أيضا قائمة في الجماعة الكثيرة من الأمة ، ولم يمنع من اتفاقها على الخطأ ، من هذه الجهة ، فما الّذي يمنع من مثله ، في إجماع كل الأمة ! ، فلا بدّ للمتمسك في أن الإجماع حجة ، من الرجوع إلى غير ذلك .
هامش
( 1 ) قد يقرأ الأصل « الأوطان » بالنون ، لكن اشتباهها بالراء في خط الناسخ قوى ، وما هنا مناسب للسياق .