هذا طريقتهم وسجيتهم ، على طريقة المدح ، فلا يمتنع أن يقع منهم خلافه ، إذا لم يخرجهم من طريقة المدح ؛ ولأن ذلك يوجب تقدّم المعرفة بالمعروف والمنكر ، ويحرج بذلك أمرهم أن يكون دالا على أن المأمور به من قبلهم معروف منكر « 1 » . فأما الاستدلال على صحة الإجماع بقوله ، جل وعز :
« وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا ، وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ »
فبعيد ، لأن الأمر بالاعتصام بدينه ، وبأن لا يتفرّقوا فيما يجب أن يتفقوا فيه ، من الدين ، وليس فيه أن ما اتفقوا عليه كيف حاله ، لأن المأمور بالشيء قد يفعل خلافه ، وحال الجماعة في ذلك كحال الواحد ، فكيف يدل ذلك على صحة الإجماع ! . ولو دل على صحة إجماعهم لدل بما ثبت في العقول ، في كل جماعة من المكلفين هي مأمورة بالاجتماع على الدين ، وأن لا تتفرّق فيه ، أن إجماعها حجة ، فإذا لم يجب ذلك فكذلك ما قالوه . فأما أنه ، جل وعز ، ألف بين قلوبهم فإنه يدل على أن الأمر الّذي تألفوا فيه ، وزالت به العداوة صحيح ، ولا يدل على أن اتفاقهم حجة . وأما التعلق بقوله ؛ جل وعز :
« فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ »
في صحة الإجماع ، من حيث أمر بالرد عند التنازع / فدل ذلك على أن التنازع إذا لم يقع فالرد غير واجب ، وأن نفس ما أجمعوا عليه حجة ، فبعيد ؛ وذلك لأن الإجماع إذا ثبت أنه حجة فلا بدّ من الرجوع فيه إلى اللّه والرسول ؛ لأنه لا يكون مقولا عن تنجيث ، ولا بدّ من أن يبتغوا فيه الأدلة « 2 » ، ولا دليل في الشرع ، للإجماع فيه مدخل ، إلا الرجوع إلى الكتاب والسنة ؛ فقد صار الإجماع كالخلاف ، في أن الواجب فيهما الرجوع
هامش
( 1 ) كذا في الأصل ؛ ولعل فيه سقطا يسيرا يتجلى به المعنى .
( 2 ) بعض حروف الكلمة ضائع ، وهذا أرجح ما تقرأ به .