فإن قيل : إنما وجب ذلك فيما ذكرتم لأنه مقطوع به ، وليس كذلك هذه الأخبار ؛ لأنكم لا تقطعون بها وبنقلها .
قيل له : نقطع بثبوتها ، لأجل هذه الطريقة . كما نقطع بما ذكرته ، فالواجب في الصحابة إذا علم أنهم تمسكوا بطريقة في الدين ، والمتعالم من حالهم أنهم كانوا يرجعون فيما يتمسكون به من الأحكام إلى الأدلة ، أن نحيل تمسكهم بذلك على الأمر الّذي يظهر فيما بينهم دون غيره ، لأن الّذي له وجب حمل تمسكهم بالحدود والأحكام على أنه لأجل القرآن والسنة ، أنهم تمسكوا بذلك ولم يظهر فيهم سواه ، وهذا قائم فيما ذكرناه ، فالواجب أن نقطع بصحته ، وكما لا يجوز أن يقال إنهم تمسكوا بهذه الأحكام التي ذكرت في القرآن لدليل مسموع من الرسول ، صلى اللّه عليه ، وإن كان ذلك سائغا ؛ وكذلك لا يجوز مثله في هذه الأخبار ، وكما / يجب حمل تمسكهم على الصحة ، فكذلك يجب حمل السبب الّذي لأجله تمسكوا بذلك على الصحة .
وليس لأحد أن يقول : إذا جاز عندكم أن يتمسكوا بالحكم لتوقيف لا يظهر ولا ينقل فجوّزوا في تمسكهم بالإجماع أن يكون لغير الخبر المذكور عنهم ؛ وذلك لأن سبب تمسكهم إذا نقل وجب حمله على الصحة ، وإنما أوجبنا فيما لم يظهر به خبر مما تمسكوا به أنه لأجل توقيف لم ينقل لكي يصح حمل أمرهم على الصحة ، فأثبتنا التوقيف لذلك ، وإن لم يظهر ، فأما إذا ظهر فلا وجه لصرف عملهم إلى غيره .
فإن قال : ألستم قد ذكرتم في « العمد » جواز أن تتفق الأمة على الحكم لخبر واحد ، وذكرتم أن ذلك في أنه لا يمتنع بمنزلة الاجتهاد ، وأن الأدلة في ذلك تتفق ،
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 189
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص١٨٩