وجملة القول في ذلك : أن الآحاد لا يجوز أن تصير تواترا ، لأن نقله في الثاني كالبناء على النقل الأول ؛ وكذلك ، فلا يصح أن يكون نقله أولا على وجه لا يكون حجة ، ويصير إلى وجه يصير حجة بمثل ما ذكرناه من العلة .
وأما المتواتر من قبل فغير ممتنع أن يصير آحادا ، ثم ننظر فيه ؛ فإن كان مما يجب أن تكون الحجة به قائمة أبدا ، فإنما يتغير بأن يقترن بذلك حجة ثانية ، على ما ذكرناه ، في دلالة الإجماع وفي أصول الزكوات ؛ وإن كان مما لا يجب ذلك فيه لم يمتنع أن يصير آحادا ، ولا يقترن به ما تعلم به الحجة ، بل لا يمتنع أن ينقطع نقله البتة ؛ هذا ما لم يبلغ تواتره « 1 » ذلك المبلغ الّذي لا يجوز أن يتغير باختلاف الأزمان ، لأن الوجه الّذي يجب نقله إذا كان مستمرا على الأوقات ، يتزايد ولا يتناقص ، والداعي إلى نقله من دين أو غيره حاصل ، لم يجز أن لا ينقل ؛ وقد علمنا أن الداعي إلى نقل القرآن إن لم يقو على الأيام لم يضعف ، وكذلك شدة الحاجة من جهة الدين إليه ؛ وكذلك القول في أصول الدين ، فلا يجوز أن يضعف نقله ، ولا يجوز ذلك من جهة أخرى ، لأن نقل المعجز لا بدّ من أن يكون باضطرار ، ليعلم به نبوّته ، صلى اللّه عليه ، فلا يجوز أن لا تزاح علة المكلفين فيه أبدا ؛ وكذلك القول في أصول الدين ، والطريقة في نقل الجميع « 2 » إذا تساوت / لم يجز اختلاف حالها ، وليس كذلك ما جوّزناه في خبر الإجماع ، لأن الطريقة فيه مخالفة لما ذكرناه في القرآن ، فغير ممتنع أن تكون الحجة في الأخبار المروية فيه قائمة أولا بالتواتر ، ثم تصير الحجة فيها من الوجه الآخر .
فإن قال : إذا سلم ما ذكرتموه من صحة خبر من الأصل ، وإن كان نقله الآن من الآحاد ، فمن أين أن خبر الإجماع هذا حاله ؟ وإنما يصح لكم ذلك متى ثبت
هامش
( 1 ) في الأصل بدون الهاء . ولعل السياق يحتاجها .
( 2 ) الكلمة ضائع بعضها ، والقراءة اجتهادية محضة .