تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 176

مساهمون:

ص١٧٦
فإن قال : إن قوله
« وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ »
إذا لم يصح ظاهره لم يستقم ما قلتم ، فقد بينا من قبل أن المراد به اللطف ، وقد علمنا أنه لا يجوز منه تعالى أن يلطف لهم ، في أن يكونوا عدولا خيارا / ولا يكونوا كذلك ؛ لأن من حق اللطف أن يقتضي وقوع ما هو لطف فيه ؛ وكذلك فإن حمل على أن المراد الحكم والتسمية فقد صح أنه تعالى صادق فيما يخبر به ، ويصف غيره به ، فلا بد من أن يكون القوم بهذه الصفة ، على كلا الوجهين ، وإذا ثبت ذلك ، ثم بنى عليه قوله
« لِتَكُونُوا شُهَداءَ »
فقد صح زوال ما أورده من الطعن . فإن قال : ومن أين إذا صح أنهم شهداء في الآخرة أن إجماعهم على القول والفعل في الدنيا لا يكون إلا حقا ، وإنما يجب في الشاهد العدل أن تكون شهادته صحيحة ، ولا يجب ذلك في أفعاله . قيل له : لأن من جعله اللّه عدلا ليكون شاهدا على الناس فلا بد من أن يكون مرضىّ الطريقة ، في سائر حالاته ، إلى أن يشهد ، فإذا كانت الشهادة في الآخرة وقد انقطع التكليف فلا بدّ من أن لا يصح تغير حالهم البتة . فإن قيل : هلا جوّزتم ، وإن كانوا عدولا مرضيين على ما ذكرتم ، أن تقع منهم الصغائر ، لأنها لا تؤثر في عدالتهم ، وسداد طريقتهم ، وإذا جاز وقوعها من الأنبياء عليهم السلام ولم تمنع من كونهم بالرتبة العظيمة في الفضل ، فما الّذي يمنع من مثله فيهم ؟ فإن قلتم : إن ما يقع منهم يكون شهادة . قيل لكم : إن شهادتهم إنما تكون في الآخرة ، لا في دار الدنيا . فإن قلتم : لأن تجويز ذلك يؤدّى إلى أن لا يكونوا حجة .