وقد بينا أن هذا التعليل يتناقض ، لأنه إن قبح أن يتصرف بالإقدام إلا بإذن فكذلك الإحجام ؛ وإن قبح بالفعل ، فكذلك بالترك ؛ وإن قبح أن يتنفس إلا بإذن ، لأنه تصرف في ملكه تعالى فكذلك يقبح حبس التنفس ، لأنه تصرف في ملكه ، وإذا كان الحال فيهما واحدة ، وأحدهما يضر ، والآخر لا يضر ، فبأن يجوز ما لا يضر أولى ؛ وكل ذلك يبين سقوط قول من خالفنا في هذا الباب ؛ وقول من يقول : إن الّذي يقول فيه إنه على الإباحة ما يضطر العبد إليه من حيث تلحقه المضرة أن يفعله في الوقت ، بعيد . لأن ما أوجب فيما هذا حاله أن يكون مباحا أولى ؛ لأن ما يتحرز به من المضار إما أن يكون ملجئا إلى فعله أو يجب أن يفعله ، وكلا الوجهين لا يدخلان باب الإباحة .
فإن قال : إذا شرطتم لكونه مباحا أن يعلم أن لا ضرر عليه وعلى غيره عاجلا ، فيجب أن لا يعلموه مباحا / مع تجويزكم أن فيه مفسدة ، ويضر في العاقبة .
قيل له : إن أهل العقول يعلمون أن ما هذا حاله يعلم بالسمع ، ومن قبل الأنبياء صلوات اللّه عليهم ، ويعلمون أنه لا بدّ من أن ينصب تعالى الأدلة ، فيما هو مصلحة أو مفسدة ، فإذا علموا ذلك ، وعرفوا أن تكليف الفعل قد انفرد عن النبوّات ، أو علموا في أمور مخصوصة أن الأنبياء غيروا حالها فقد علموا أن ذلك لا مفسدة فيه ، ولا بدّ من أن يعلموا عند ذلك أنه مباح ؛ هذا إن لم يعرفوا إباحته إلا من جهة الاستدلال ؛ فأما إن عرفوه باضطرار فعلمهم بأنه مباح يتضمن العلم بأنه لا مفسدة فيه ، لأنه كالمبنى عليه ؛ ولا يجوز حصول العلم الّذي هو الفرع إلا مع حصول أصله . وهذه جملة كافية في هذا الباب .
فأما دليل الإباحة إذا كان من غير جهة الخطاب فسنبينه من بعد .
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 148
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص١٤٨