فصل في بيان ما هو أصل في الحظر ، وما هو أصل في الإباحة ، وما يتصل بذلك
الّذي يذهب إليه مشايخنا رحمهم اللّه ، في هذا الباب أن كل فعل للمكلف فيه غرض من نفع أو غيره ، وخرج ذلك الفعل من أن يجرى مجرى الحقوق ، ولم يكن إضرارا به ولا بغيره في / عاجل ولا آجل فيجب أن يدخل في باب الإباحة العقلية ؛ وإنما يعدل عن ذلك لدلالة ؛ وهذا معنى قولهم : إن الأشياء على الإباحة لأنهم لا يريدون جميع الأشياء ، لأن فيها ما يعلم بالعقل قبحه ، كما أن فيها ما يعلم وجوبه وكونه ندبا ؛ فإنما المراد ما قدّمنا صفته من المتكلمين والفقهاء من يقول بالضد من ذلك ، فيجعل الجميع على الحظر ، إلا ما ورد السمع بإباحته ؛ ويزعمون أن تصرف العبد لا يستباح إلا بإذن ، ولا أحد منا إلا وهو مملوك للّه تعالى ، فلا يحل له أن يتصرف إلا بإذنه ، كما لا يحل لأحدنا أن يتصرف في نفس غيره وماله إلا بإذن لهذه العلة .
ومنهم من يقول : ما العبد مضطر إليه لا بدّ من القول بأنه مباح ، فأما ما عداه فهو على الحظر ؛ قالوا : لأن الحكيم لا يجوز أن لا يزيل المضرة عن الغير ، وقد يجوز أن لا ينفع الغير . وهذه المسألة لا بدّ فيها من تسليم جواز تقدّم أدلة العقل على أدلة السمع ، لأنه متى لم نجوّز ذلك لم يكن لها معنى إلا على طريقة التقدير ؛ ومتى سلم أن العقل وأدلته يصح تقدّمها على ورود السمع فالذي ذكرناه لا بدّ من صحته ، لأن المتقرّر في العقل أنه : لا بدّ في الأفعال من مباح ومحظور ،