إلا وقد أراد أن ينفع به ، وإلا كان في حكم العابث ، كما لا يجوز ، متى صح الاعتبار بما خلق ، والتكليف قائم ، إلا ويريد الاعتبار بما خلق . وبينوا أنه لا يجوز أن يقال : نخرج من كونه عبثا بأحد الوجهين ، بأن بينوا أن الفعل إذا صح أن يقع على وجهين ، كل واحد منهما في حكم المنفصل من الآخر حل محل الفعلين ، فكما أن خروج أحدهما من كونه عبثا لا يوجب حسن الآخر فكذلك حصول أحد الوجهين فيه لا يخرجه من أن يكون عبثا من الوجه الآخر .
وقد بينا : أن الّذي له لا يحل لأحدنا أن يتصرف في ملك غيره ليس هو كونه ملكا لغيره ، لأنه لو كان كذلك لوجب مع الإباحة أن لا يجوز أن يتصرف فيه لأن بإباحته لغيره أكل طعامه لم يخرج أن يكون مالكا له ، وإنما العلة في ذلك أنه إضرار به . يبين ذلك : أن إباحته لما دلت على سرور وزوال الضرر ، حسن التصرف في ملكه وعبده .
ويبين ما قلناه : أن ما يتساقط من السنابل عند الحصد ، في أنه ملكه بمنزلة المتناول المحمول ، ومع ذلك فأحدهما مباح ، لأنه قد صار مما لا مضرة عليه في تناوله ، والآخر محظور ، وإن كان حالهما سواء في أنه أولى بهما ؛ وعلى هذا الوجه / نقدر في العقول أنه يجوز لأحدنا أن يتناول من الماء الجاري في دار غيره ، إذا أباح له دخولها ؛ ومباح له أن يستظل بظل داره ، إلى غير ذلك ، لما لم يكن عليه فيه مضرة .
ويبين صحة ما قلناه : أنه لو أذن له في تناول ملكه ، وأباح ذلك والمعلوم أنه يضره ، ولا نفع له ، ولا سرور ، لم يخرج من أن يكون محظورا ، وكل ذلك يبين أن العلة ما ذكرناه ؛ ويوجب سقوط ما أورده في هذا الباب .
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 147
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص١٤٧