تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 133

مساهمون:

ص١٣٣
إنه يكره الشيء من غيره ، بمعنى أن إرادته لغير ذلك أقوى من إرادته له ، فلهذه المزية تستعمل هذه اللفظة . وقد يقال : إن فلانا يكره طريقة زيد ، بمعنى أن الأحب إليه غيرها من الطرائق التي هي أولى ما يقع ؛ وعلى هذا الوجه تقع الكراهة في التأديب والتنزيه ، فيقال : إن فلانا يكره من غيره العدول عن طريقه الأولى في العمل بالنوافل ، وبأدب الدين . فأما الواحد منا فلا يمتنع أن يكره القبيح ؛ وكذلك القول في العالم الّذي ليس بحجة . والأصل في هذا الباب ما بيناه من أن كراهة الحسن لا تكون إلا قبيحة ، كما أن إرادة القبيح لا تكون إلا قبيحة ، والطريق فيهما واحدة ، وقد بيناها من قبل ، ولا معتبر بعد ذلك بإطلاق القول ؛ فإذا صح أنه ، جل وعز ، لا يجوز أن يفعل القبيح لم يجز أن يكره الحسن ، فيدل النهى الوارد من قبله على قبح ما تناوله من هذه الجهة ؛ وهكذا نقول في نهيه ، صلى اللّه عليه ، إذا تجرّد ، وإنما يعدل عن ذلك بدلالة : فالذي روى عنه ، صلى اللّه عليه ، من النواهي التي فيها ما يجرى مجرى التنزيه والأدب ، فإنما يوجب ذلك بدلالة ، لا بظاهره ؛ ولا يمتنع / أن يجعل بعض الفقهاء ؛ من جهة الاصطلاح لفظ الكراهة غير مفيدة للقبيح ، أو منقسمة إلى وجوه بحسب المواضع التي يطلق ذلك فيها ، وذلك يدخل في باب الاصطلاح . فأما من قال : إن المكروه هو الّذي تنزل مرتبته عن مرتبة المحرّم فقد أبعد ، لأن المحرّمات لا تتزايد في التحريم . فإن قال : أريد بذلك أن ما لا يثبت قبحه قطعيا أعبر بذلك عنه ، وما يثبت قبحه قطعا أقول فيه إنه يحرّم ؛ كما أقول في الواجب : إنه فرض إذا قطع بوجوبه ، وإذا ثبت من جهة الآحاد وغيرها قلت : إنه واجب .
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 133 | القاضي عبد الجبار الهمذاني