وقد اختلفوا في النهى : هل من حكمه أن يقتضي فساد المنهى عنه ؟ - فمنهم من قال : يقتضي ذلك ، وأنه لو لم يقتضه لم يقتض القبيح ؛ وأحالوا كون الشيء محرّما غير فاسد ؛ وزعموا أن ما لا يكون فاسدا باطلا لا يكون محرّما ، ويستحيل ذلك في المنهى عنه .
ومنهم من قال : إن ظاهره إنما يدل على القبح فقط ، وبطلانه وفساده موقوف على الدلالة ؛ وهو الّذي يختاره شيوخنا ؛ والأصل في ذلك أن معنى النهى قد يحصل مع كون الفعل مجزئا غير فاسد ولا باطل ، وهو كون الفعل قبيحا ومكروها ، وواجب التحرّز منه ؛ يدل على ذلك أنه قد ثبت قبح أفعال وهي مع ذلك مجزئة عن فاعلها ، سادّة مسد الصحيح المأمور به ، لأن معنى قولنا فيه : إنه مجزئ هو أنه يقوم مقام الصحيح من الأفعال ، وذلك لا يمتنع من جهة الحكم ؛ لأنه يكون قبيحا يقوم في الحكم الراجع إلى المستقبل مقام الصحيح ، حتى يجوز معه ما يجوز مع الصحيح ، ويمتنع منه ما يمتنع من الصحيح ، مثاله : إزالة النجاسة بالماء المغصوب ؛ لأن قولنا فيه : إنه صحيح يراد به / صحة أداء الصلاة معه ، فإذا كان إزالة ذلك بالماء المغصوب قد سدّ مسدّه في هذا الوجه لم يمتنع أن يكون مجزئا ، وإن كان قبيحا منهيا عنه ؛ والقول في نظائره مثله في هذا الباب .
وقد صح أيضا بهذه الطريقة أن إجزاء الفعل لا ينافي كونه قبيحا منهيا عنه ، وليس بعد هذين الوجهين إلا ما قلناه من أن فساده موقوف على الدلالة ، ولو كان ظاهر النهى يتضمن الفساد ، كما يتضمن تحريم الفعل ، لكان مع قيام الدلالة على أنه ليس بفاسد يجب القطع على أنه غير منهى عنه ، كما يجب مثله في التحريم ؛ وبطلان ذلك يبين فساد ما ذهب إليه القوم . وليس بعد ذلك إلا التعلق بظواهر وفروع لا تقدح في الجملة التي بيناها .
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 136
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص١٣٦