تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 115

مساهمون:

ص١١٥
تكلمنا عليه في أصول الفقه ؛ وبينا أنه غير ذلك ، وأنه لو دل لم ينقض ما قلناه ، في موضوع الأوامر ؛ فأما تعلقهم بدخول المعصية في الأوامر ؛ وأن ذلك يدل على وجوبه ، لأنه لو لم يكن واجبا لم يكن المأمور به عاصيا بأن لا يفعل ، كما لا يكون عاصيا في باب الندب والمرغب فيه . فقد بينا أن المعصية قد تصح فيه ، وإن كان ندبا ، كما قد يصح أن يقال في الشاهد : إن فلانا عصاني فيما أشرت به عليه ، ورغبته فيه ، وأذنت له في فعله ؛ وبينا في باب استحقاق الذم أن « عاصيا » قد تطلق على من لم يفعل ما أمر به ، ولا يكون ذما ، وقد يطلق على من يفعل القبيح ويكون ذما ، وذلك يمنع من التعلق بهذه الشبهة . فإن قال : أتقولون : إن اللّه تعالى لا يأمر إلا بالندب ، ولا يريد سواه . قيل : قد بينا أنه يريد كل ما دخل تحت التكليف ، من ندب وواجب ، لكن مجرد الأمارة يدل على أنه يستحق / العقاب بأن لا يفعله . فإن قال : فيجب أن لا يصح أن يأمر تعالى بالحسن الّذي هو المباح ، وقد ورد في الشرع الأمر بذلك . قيل له : إن صيغة الأمر قد لا تكون أمرا كقوله : كلوا واشربوا ، ونحوه ، مما ليس بأمر في الحقيقة ، لما ثبت بالدليل أنه يتناول المباح من حيث لا مدخل له في التكليف أصلا . فأما إذا نزل التكليف وخرج الأمر من أن يكون دلالة للمكلف فغير ممتنع من أن يفعله ، جل وعز ، ليتكامل سرور المثاب . ولذلك قال « أبو هاشم » : إن قوله تعالى لأهل الجنة :
« كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً »
. . الآية ، أمر في الحقيقة ، لأن المقصد به ما ذكرنا ، فلذلك فارق ما يقع في حال التكليف .