وقد بينا في « العمد » أن قول القائل « افعل » كيت وكيت بمنزلة قوله أريد ذلك منك فإذن لم يدل هذا القدر على الإيجاب ؛ وكذلك الأمر . ومتى سأل سائل فقال : هلا قلتم : إنه بمنزلة قوله « أريد منك لا محالة » فالجواب ما تقدم ، وكذلك إذا قال هو بمنزلة قوله : أريد منك أن تفعل ، ولا بدّ من أن تفعل ، لأن الجواب عن ذلك ما قدمناه ، من أن حال الإرادة لا يتغير ، وإنما ينضاف إليها الكراهة في بعض الأحوال فيعبر بهذه العبارات عن ذلك ، وقد يختلف ذلك من وجوه أخر ، بأن يريد الآمر الفعل معجلا ؛ ويريده مرة ، على طريق التخبير والتوسعة فتختلف العبارة لأجل ذلك ، ولا يوجب القول بوجوب المأمور به .
وقد بينا أن قول القائل : إن الآمر يريد الفعل على جهة الإيجاب لا معنى له ؛ لأنه إنما يريده على حد ما أمر به ، وإذا أمر بإيجاد الفعل / أراد إيجاده ؛ فإن أمر بإيجاده على وجه أراده على ذلك الوجه ؛ فكيف يصح التعلق بهذه الطريقة ؛ على أن إيجاب الفعل يقتضي صفة زائدة ، على ما يفيده المصدر الّذي هو عبارة عن الحادث ، ولا يصح أن يكون المثال المأخوذ من المصدر مفيدا له ، لأن قول القائل « اضرب » في أنه مأخوذ من الضرب كقوله : ضرب ، ويضرب ، وكل ذلك إنما يقيد الحادث ، لكنه يفيد مرة تقدم حدوثه ، ومرة حدوثه في الحال ، وأخرى في المستقبل ، ومن أراد به من الغير حدوثه ، ومرة كراهته ، ولا يصح والحال هذه أن يقال : إن الأمر موضوع للإيجاب ، بل يجب أن يفيد إرادته ذلك الفعل من غيره فقط ، كما أن النهى « 1 » لا يفيد إلا كراهته لذلك الفعل فقط .
فإن قال : فإذا كان النهى على الإيجاب فقولوا في الأمر مثل ذلك .
هامش
( 1 ) في الأصل كلمة مشتبهة وعليها مخرج قيد عنده الناسخ في الهامش ما نصه لعله النهى ؛ ولذلك أثبتناها في الأصل ؛ والسياق معها متسق .