ولا يجوز أن تكون لازمة والحجة عليه بها غير قائمة ، لأن ذلك يتناقض في القول ؛ فأوجبوا لهذه العلة ظهور دعوته للجميع ، وأدّاهم ذلك إلى أن قالوا : إن من لم تبلغه الدعوة ، وعرفنا ذلك من حاله فيجب أن نعلم أنه ليس بمكلف ؛ لأنه لو كان مكلفا لدخل في هذه الجملة . . ودعا بعضهم هذه الطريقة إلى أن قال : إن صح نزول « عيسى بن مريم » على ما نقلت به الأخبار ، فلا بد حينئذ من أن يصير من أمة محمد وأن تلزمه شريعته ، عليه السلام ؛ وهكذا اختلفوا في « يأجوج » و « مأجوج » ، وأنهم كانوا مكلفين ، والدعوة إليهم واصلة ، فلا بد من دخولهم تحت الشريعة ؛ بل قالوا :
إن الدعوة إن لم تكن واصلة إليهم فلا بد من أن لا يكونوا مكلفين ؛ وأن يكون سبيلهم سبيل المراهقين ، الذين لم تتكامل عقولهم ، ولم يبلغوا حد التكليف ؛ ولا يمتنع مع ذلك أن يكونوا مفسدين في الأرض ، على ما ورد الكتاب به ؛ لأن البهائم قد تفسد في الأرض ، فضلا عمن له بعض التمييز ؛ ومن هذه حاله يكون فساده أعظم ، من فساد من تكامل تمييزه ؛ والصحيح عندنا ، في ذلك : أنه إنما تلزم شريعته ، صلى اللّه عليه ، لمن قامت الحجة عليه بها ؛ وكذلك دعوته ونبوته ؛ ولا يمتنع أن تختلف أحوال المكلفين في ذلك ، فتقوم الحجة على بعضهم ، دون بعض في قضية العقل ؛ فإن علم أن الأخبار قد انتشرت في جميعهم ، على حد واحد ، قضى بوجوب الحجة في الجميع ، في ذلك ، وإن جوز فيها أن تختلف لم يجب اتفاق الجميع في ذلك ؛ وغير ممتنع اختلافهم في ذلك ، وان لم يكن « 1 » اختلفوا في الكل جاز أن يختلفوا في البعض ؛ ولا مانع يمنع من ذلك ، من جهة دليل مخصوص ؛ فإن كان فيه مانع فليس إلا انتشار الأخبار ، وإن صح فيها من الانتشار ما قالوه ، حتى
هامش
( 1 ) كذا في « ص » و « ط » .