وقد أنعمت عليك ! فيكون تكرار ذلك أبلغ في المراد ؛ حتى لو حذفه لنقص الغرض ، في هذا الباب ، ولم يكن بمنزلته .
فإن قيل : فقد ذكر في سورة الرحمن ، ما ليس من النعم ، وعقبه بهذا القول ، لأنه قال
هذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ ، يَطُوفُونَ بَيْنَها وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ
وقال :
يُرْسَلُ عَلَيْكُما شُواظٌ مِنْ نارٍ وَنُحاسٌ فَلا تَنْتَصِرانِ
، فذلك يطعن فيما قلتم .
قيل له : إن جهنم والعذاب إن لم يكونا من آلاء اللّه تعالى ونعمه ، فإن ذكره لهما ، ووصفه لهما تعالى ، على طريقة الزجر عن المعاصي ، والترغيب في الطاعات ، من الآلاء والنعم ؛ كما أن التهديد والوعيد ربما يكون أعظم في النعمة والزجر عن المعصية ؛
قال : ومثال ذلك ما ذكره تعالى في سورة النحل من قوله
أَمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ ، وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَنْبَتْنا بِهِ حَدائِقَ ذاتَ بَهْجَةٍ ، ما كانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها ، أَ إِلهٌ مَعَ اللَّهِ
، ثم قال
أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَراراً ، وَجَعَلَ خِلالَها أَنْهاراً ، وَجَعَلَ لَها رَواسِيَ ، وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حاجِزاً ؛ أَ إِلهٌ مَعَ اللَّهِ
، فكرر ذلك تنبيها على أدلة التوحيد ، فلما كان قوله :
أإله مع اللّه عند أمور مختلفة من صنع اللّه تعالى ونعمه لم يعد مختلفا .
فأما ما ذكره تعالى من إعادة قوله
وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ
في سورة المرسلات ، فلأنه ذكره عند قصص مختلفة لم يعد تكرارا ؛ لأنه أراد بما ذكره أولا ؛ ويل يومئذ للمكذبين بهذه القصة ، كلما أعاد قصة مختلفة « 1 » ذكر مثله على هذا الحد ؛ فهو بمنزلة من يقبل على غيره ، وقد قتل جماعة فيقول : ويل يومئذ لمن قتل زيدا . . لمن قتل عمرا ، ثم يجرى الخطاب على هذا النحو ، في أنه لا يعد تكرارا .
هامش
( 1 ) في « ص » أخرى .