الْجِنِّ وَالْإِنْسِ
إذا حمل على أن المراد به العاقبة ؛ وقد بينا في مقدمات كتاب « المتشابه » أن المتعلق بمثل ذلك لا يخلو من أن يزعم أن القرآن دلالة على التوحيد والعدل ؛ أو يقول : لا نعلم صحة دلالته إلا بعد العلم بالتوحيد والعدل ؛ وبينا فساد القول بالأول ، بأن قلنا : إن من لا يعرف المتكلم ، ولا يعلم أنه ممن لا يتكلم إلا بحق ، لا يصح أن يستدل بكلامه ، لأنه لا يمكن أن يعلم صحة كلامه إلا بما قدمناه ، لأنه لا يصح أن يعلمه بقوله : أن كلامه حق ، لأنه إذا جوز في كلامه أن يكون باطلا يجوز في هذا القول أيضا أن يكون باطلا ، وإذا وجب تقدم ما ذكرناه من المعرفة ، ليصح أن يعرف أن كلامه تعالى حق ودلالة ، فلا بدّ من أن يعرض ما في كتاب اللّه من الآيات الواردة في العدل والتوحيد ، على ما تقدم له من العلم ، فما وافقه حمله على ظاهره ، وما خالف الظاهر حمله على المجاز ، وإلا كان الفرع ناقضا للأصل ؛ ولا يمكن في كون كلامه تعالى دلالة سوى هذه الطريقة ؛ فإذا ثبت ما قدمناه لم يمكنهم ادعاء الاختلاف والمناقضة فيه ؛ لأن محكمه ومتشابهه سواء ، في أنهما لا يدلّان ، وفي أن الواجب على المكلف « 1 » عرضها على دليل العقول ؛ وإذا وجب ذلك فيهما حملنا ما يمكن إيفاء الحقيقة حقها على حقيقته ، وما لا يمكن أن نوفيه حقه حملناه على مجازه المعروف ، فكيف يدعى في مثل ذلك التناقض ! . . وبينا أن آيات الكتاب التي هي دالة في الحقيقة على الحلال والحرام لا يمكن ادعاء التناقض فيها ؛ لأنها إذا اختلفت فلا بدّ من أن تقدر التقدير الّذي قدّمناه ، فيخص بعضها بعضا ، وتجعل وهي مفترقة كأنها متصلة ، وكأن بعضها مقيد ببعض ، على ما يجب في طريقة اللغة ، فكل ذلك يبطل تعلقهم بهذه الطريقة .
هامش
( 1 ) ساقطة من « ص » .