تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 394

مساهمون:

ص٣٩٤
ومنها - ما ادعاه من تناقض بين قوله سبحانه
هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ، ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ ،
وبين قوله
أَ أَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّماءُ بَناها ، رَفَعَ سَمْكَها فَسَوَّاها ، وَأَغْطَشَ لَيْلَها . وَأَخْرَجَ ضُحاها وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها
، وزعم أن الآية الأولى تقتضى أنه خلق الأرض قبل السماوات ، والثانية توجب أنه خلق السماوات قبل الأرض ، فبين شيخنا جهله وتجبره ؛ بل قال : إنما أخبر أن الأرض بعد ذلك دحاها ، وقد كان خلقها من قبل ؛ وإنما أراد بدحوها أنه بسطها ، فقد كان تعالى خلقها ، لا مبسوطة ، قبل خلق السماء ، ثم بسطها ، بعد خلق السماء ، وأزالها إلى الموضع الّذي هي فيه . وإنما أردنا بذكر هذا القدر التنبيه على جهله ، وإلا فالقدر الّذي قدمناه من الأصول كاف ، في بطلان ما يدعون من المناقضة ؛ لأنا قد بينا الأصل فيه ، وإنما يؤتى القوم من قلة التأمل والمعرفة . بما يجوز على اللّه تعالى ، ولا يجوز ، أو بطريقة اللغة ، ولو تقصينا جميع ذلك كثر ، وطال الكتاب . فأما من يدعى في القرآن : أنه متناقض في دلالته ؛ لأنه يدل ظاهره على أمور مختلفة في الديانات ، فالذي قدمناه في باب « المحكم والمتشابه » ، وذكرناه آخرا ، في زوال التناقض يبطل ذلك ؛ لأنهم إنما أتوا في ذلك من جهة الجهل بما يجوز على اللّه تعالى ، ولا يجوز وبطريقة اللغة ؛ فأما مع المعرفة بذلك وتأمل الآيات فلا بدّ من أن ينكشف أنه لا اختلاف في دلالته ؛ وهذا كما نقول من أن قوله تعالى
لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ
موافق لقوله
وَجاءَ رَبُّكَ
متى حمل ذلك على أن تأويله وجاء متحملو أمر ربك ، على ما تقدم ذكره ؛ ونحو قوله تعالى
وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ
إنه موافق لقوله
وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ