وكل ذلك يبين فساد ما يتعلقون به من التناقض ، في كتاب اللّه تعالى ؛ وقد تقصى شيخنا « أبو علي » القول في ذلك في نقض كتاب « الدامغ » ، وشفى الصدر رحمه اللّه بما أورده ؛ وقد نبهنا على الأصل في ذلك ، ولولا أن الكلام فيه يطول لذكرنا بعضه ، والّذي قدمناه في شبه المخالفين ، في المخلوق ، والاستطاعة ، يبين فساد هذا القول ؛ لأنهم إنما يتعلقون بمثل هذه الشبه ، عند ادعائهم التناقض ؛ ونحن نورد اليسير مما أورده « ابن الراوندي » في كتاب « الدامغ » ، وادعى به المناقضة ، ليعرف به سخفه ، فيما ادعاه ، وتمرده ، وتجرؤه ، فالقليل من الأمور يدل على الكثير ، ونحيل في الباقي ، على ما نقض به شيخنا « أبو علي » رضى اللّه عنه كلامه . .
ادعى أن قوله تعالى
فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ
مناقض لقوله سبحانه
وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ
، وقوله
أُولئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ
إلى غير ذلك من الآيات ؛ فقال شيخنا : إن قوله
فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ
أراد به الحجج والقرآن ، دون العلم بصحة ما جهلوه ؛ لأنه تعالى أطلق العلم ، ولم يقيده ، وأراد بقوله
وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ
تشبيههم ، لإعراضهم عن النظر فيما أتاهم من الحجج ، بمن هذا حاله ؛ وكذلك ، فإنما ذكر الطبع ، لأنهم إذا أعرضوا وجهلوا وكفروا ، حصل في قلوبهم لكفرهم ما يسمى طبعا وختما ، فلا تناقض في الكلام ؛ وقد تسمى الحجة علما ، إذا كانت طريقا للمعرفة ؛ وربما سمى الكتاب علما ، كما نقول : هذا علم « أبي حنيفة » ، وعلم « الشافعي » ، لما أمكن به التوصل إلى معرفة علمهما ؛ والحجج في ذلك أولى ؛ على أنه تعالى إذا لم يذكر العلم بما ذا ، فمن أين أن المراد به العلم بصحة ما كلفوا ، دون أن يكون العلم المقتضى لكمال العقل ،