فصل في بطلان طعنهم في القرآن ، بأن فيه تناقضا واختلافا ، فيما يتصل باللفظ ، والمعنى ، والمذهب
اعلم . . أن أول ما نقوله ما ذكر عن شيخنا « أبى الهذيل » بأنه قال : قد علمنا أن العرب كانت أعرف بالمتناقض من الكلام من هؤلاء المخالفين ، وكانت على إبطال أمر رسول اللّه ، صلوات اللّه عليه أحرص ؛ وكان صلوات اللّه عليه يتحداهم بالقرآن ، ويقرعهم بالعجز عنه ، ويتحداهم بأنه لو كان من عند غير اللّه لوجدوا فيه اختلافا كثيرا ؛ ويورد ذلك عليهم تلاوة ، وفحوى ؛ لأنه كان ، عليه السلام ينسبه إلى أنه من عند اللّه الحكيم ، وأنه مما لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، ويدعى أنه دلالة ، وأن فيه الشفاء ؛ فلو كان الأمر في تناقض القرآن ، على ما قاله القوم ، لكانت العرب في أيامه إلى ذلك أسبق ؛ فلما رأيناهم قد عدلوا عن ذلك إلى غيره ، من الأمور علمنا زوال التناقض عنه ، وسلامته ، على اللغة .
فإن قالوا : يجوز أن يكونوا قد أوردوا ذلك لكنه لم ينقل ، كلمناهم بما قدمناه من قبل ، على من يقول : قد عارضوا القرآن ، لكنه لم ينقل . . يبين ما ذكرناه :
أن إعجاز القرآن على ما تقدم ذكره لا يتم إلا بجزالة لفظه ، وحسن معناه ، وقد علمنا أن المتناقض من الكلام لا يصح معناه ، فضلا عن أن يوصف بالحسن والاستقامة ؛ فلو كان الأمر في تناقضه واختلافه على ما يدعيه القوم لكان ذلك يقدح في كونه معجزا ، ولوجب أن يعرف القوم من ذلك ، مع شدة العناية والحرص ، ما لا يعرفه غيرهم ؛ فكان يجب أن يسبقوا إلى ذكره . . يبين ذلك : أنه