أو الصحابة ! ؛ وكيف ينكر على العلماء قولهم : إن المتشابه يعلم تأويله ، ولا ينكر على المتفقهة استدلالهم بالآيات على الأحكام ، مع أن فيها محكما ومتشابها ! .
وبعد . . فإن هذه الطريقة من القوم توجب أنه تعالى لم ينزل القرآن ليدل الناس على الحلال والحرام به وعلى الديانات ، بل يلزمهم أن يقولوا : إن فيه ما قصد بإنزاله هذه الطريقة ، وفيه خلافه ؛ وقد علمنا خلاف ذلك .
فإن قالوا : فقد قال عز وجل
لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ
، وهذا يدل على أن فيه ما لا يصح أن يعلم تأويله .
قيل لهم : إن ذلك من أوكد ما يدل على ما قلناه ، وذلك لأنه مع بيانه ، صلى اللّه عليه ، يعلم به المراد ، فإذا كان بيانه لا يختص ، صح من جميعهم ، أن يعلموا المراد ؛ على أن المراد بهذه الآية ، لو كان ما ادعوه لوجب أن لا يصح أن يعلم بالقرآن شيء ؛ وإنما يعلم ببيانه ، صلى اللّه عليه ؛ وقد علمنا : أن الأمر بخلافه ؛ ولأن قوله تعالى
الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ
يدل ظاهره على المراد ؛ إلى غير ذلك من الآيات ، وهذا يمنع مما تعلقوا به ، ويبين أن قوله تعالى
لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ
المراد به بيان ما أنزله وحيا ، دون ما أنزله من القرآن ؛ لأن القرآن يستقل بنفسه ، فيما يدل عليه ، فلو احتاج إلى بيانه عليه السلام لاحتاج بيانه إلى بيان آخر ، ولاتّصل إلى ما لا نهاية له ، وقد قال شيخنا « أبو هاشم » :
إن المراد بذلك الأداء دون التفسير ، لأن المفسر إنما يفسر الكلام ، الّذي يعقل به المراد ، فلا يجوز إلا أن يحمل ذلك على أنه يبلغ ويؤدى ؛ لأنه لولا إبلاغه لما وقع البيان ، فلا يمتنع أن يعبر عنه بأنه بيان ؛ ويكون ذلك أولى ؛ لأنه يمكن حمله على عمومه وظاهره ؛ ومتى حمل على خلافه لم يمكن فيه إلا التخصيص . . . يبين ذلك