إن المحكم لا يعرف معناه ، يفسد بهذه الطريقة ؛ فكذلك القول في المتشابه ، وإنما يخالف أحدهما الآخر ، بأن المحكم يعرف المراد به بظاهره ، لا بالرجوع إلى قرينة ، والمتشابه لا يعرف تأويله إلا بقرينة ، أو به ، وبغيره .
فإن قال : أليس قد قال كبير من شيوخكم : إن قوله تعالى
وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ
يقتضي تمام الكلام ، وأنه تعالى المتفرّد بعلم تأويله ، ثم استأنف قوله تعالى
وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ
؛ ولذلك علق بذكرهم خبرا ، ولو كان عطفا على ما تقدّم لم يصح ذلك فيه ، أفما يدلكم ذلك ، على بطلان ما قدمتم ؟ .
قيل له : إن من يذهب في تأويل الآية إلى هذه الطريقة ، لا يمنع من أن يعلم العلماء المراد بالمتشابه ، لكنه يقول : إنه أراد بقوله تعالى
وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ
المتأوّلة ، على نحو قوله تعالى
هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ ، يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ
، وأراد بالتأويل المتأوّل ، وهو عز وجل المتفرّد بالعلم بالمتأوّل ، وأوقاته ، وأحواله ؛ ولسنا نقول : إن تأويل المتشابه يجب أن يكون معلوما للعلماء ، من كل وجه يصح أن يعلم عليه . وإنما يجب أن يكون في الوجه المقصود معلوما فقط ؛ فأما ما عدا ذلك فالواجب أن ينظر فيه ؛ فما دل عليه الدليل يعلم ، دون ما لا دليل عليه ، وعلى هذا الوجه قال شيخنا « أبو علي » : إن قوله تعالى
وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي
إنما أراد به أن المعرفة بكيفية حاجة الحي إليه ؛ من أمر اللّه تعالى ، الّذي تفرّد بالعلم به ؛ وإلا فالروح نفسها وأحوالها معلومة ؛ ولا يجب إذا لم تعلم من بعض الوجوه أن لا تكون معلومة ، في الوجوه المقصودة ؛ فكذلك القول فيما قدّمناه . . يبين ذلك : أنا إذا تدبرنا المتشابه آية آية ، نعلم المراد به بالدليل الواضح ؛ فلا فرق ، والحال هذه ، بين من قال : إن المراد به لا يعرف ،