تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 58

مساهمون:

ص٥٨
لهذه الأفعال خصوصا ، هذه الأحكام « 1 » إلى ضرب من الدليل ؛ ولا يكون ذلك إلا من جهة السمع ، كما نعلم في تصرّفنا أنه ، إن كان صلاحا ، فهو على هذا الوجه ، فهو واجب ؛ ولا نعلم كونه كذلك إلا بالتجربة والعادة أو بالإخبار . فإن قال : وبأىّ وجه يصحّ أن نعلم ذلك من جهة السمع ؟ قيل له : بوجهين : أحدهما أن يعرفنا تعالى ذلك بخطابه ، والآخر أن يبعث رسولا يؤدى ذلك عنه ؛ لأن الغرض أن نعرف صحة الخطاب ، وأنه صدق ، إن كان خبرا أو جاريا مجرى الخبر ، كالأمر والنهى . فإذا حصل هذا الحكم للخطاب ، إذا كان من قبله تعالى وإذا كان من قبل رسوله صحّ الاستدلال به على أحكام هذه الأفعال . ومن قبله تعالى ، لا يصح أن نعلم إلا بالخطاب ، أو ما يقوم مقامه ، من الأمارات ، كالكتابة ، وغيرها ؛ فأما من جهة الرسول فإنا قد نعلم بذلك ، وبالإشارات . ونحن نفصّل ذلك عند الكلام في هذا الباب ؛ لأن الغرض في هذا الموضوع ذكر الجملة دون التفصيل . فإن قال : فيجب ، على هذه الطريقة ، ألّا تصح معرفة أحكام هذه الأفعال إلا بعد المواضعة على هذه اللغات . قيل له : كذلك نقول ، والقديم تعالى يرتب أحوال العباد ، ودواعيهم إلى وضع اللغات ، الترتيب « 2 » الّذي يقتضي تقدّم المواطأة على بعض اللغات ، إذا أراد تعالى التكليف الّذي لا يتمّ إلا بالسمعيات . ولهذه الجملة أبطلنا قول من يقول في اللغات إنها مأخوذة عن « 3 » اللّه تعالى ، لأنها لا يصح أخذها عنه تعالى ، ولمّا تقدّم شيء منها ، وعلى هذا القول إنما يتقدّم بأن يؤخذ عنه ؛ وذلك يتناقض . فإن قال : قد تصوّرنا معرفة هذه الأحكام من جهة الرسل بأن يظهر عليهم المعجزات ، فكيف نتصوّر ذلك من جهة القديم تعالى ؟
هامش
( 1 ) في « ب » : « الأفعال » . ( 2 ) في « ب » : « في الترتيب » . ( 3 ) في « ب » : « من » .