فإن قال : كيف يصحّ ما اعتمدتموه ثانيا ، والعلم بحال أفعالكم لا يكون فرعا على العلم بالقديم تعالى وأحواله ؟
قيل له : لا بدّ من اختبار حال هذا التعريف في تعلقه بالتكليف الواجب ، وأنه وجب على القديم تعالى أن يفعله ؛ وهذا يقتضي العلم بالقديم وأحواله ، وإذا كان ذلك باستدلال ، لم يصحّ أن يثبت هذا باضطرار . وكذلك القول في نفس المعلوم الّذي أراده منّا ؛ لأنه لا بدّ من أن نعلم إرادته ذلك منا على وجه مخصوص ، فيصير العلم به وبكيفيّة أدائه كالفرع .
يبيّن ذلك أن وجه وجوبه هو كونه لطفا فيما كلّف القديم تعالى ؛ فلا بدّ من أن نعرف ، عند ذلك ، أحوال القديم تعالى ، وتكليفه ، وإرادته ، وذلك يوجب صحة ما ذكرناه فقد بيّنا أنه لا دليل في العقل يدلّ على أحوال هذه الأفعال من قبل ؛ فلا يصح أن يقال : إنه تعالى يعرفناها « 1 » ، بأن يدل عليها من جهة العقول .
فإن قال : إنما يتم ذلك متى تمّ حصر الأدلة العقلية ؛ فإذا لم « 2 » يمكن ذلك فيها ، فكيف يصحّ القطع على ما ذكرتموه ؟
قيل له : قد بيّنّا أنه ليس في العقل الدلالة على ما يجرى مجرى علم الغيوب ، وما يختاره الناس في المستقبل ، ابتداء « 3 » ، أو عند بعض الأفعال . وقد دللنا على ذلك ، ولا يجوز في العقول ، وما تقرّر فيها ، أن تختلف ؛ فلا يصحّ أن يقال : إن في بعض العقول الدلالة على ذلك دون بعض .
فإن قال : فقد قلتم : أحد ما تقرّر في العقول أنّ ما يؤدى إلى دفع الضرر واجتلاب المنافع واجب علينا . وهذه الأفعال ليس لها إلا هذه الحال ؛ فكيف يصح أن تقولوا :
إن ذلك لا يعلم بالعقل ؟
قيل / له : إنما تقرر العلم بذلك ، على وجه الجملة ، دون التفصيل . ونحتاج في أن ،
هامش
( 1 ) هكذا في « ا » ، « ب » .
( 2 ) في « ب » : « لم يصح » .
( 3 ) في « ا » ، « ب » : « ابتدأ » .