على أنّ الخبر ، على ما ذكرناه ، قد صار طريقا للعلم ، وإن كان للعادة فيه مدخل .
وما هذه حاله لا معتبر فيه بالظنون المتقدمة ، كما لا يعتبر مثله في الإدراك ، ولا في الدراسة للحفظ ، وممارسة الصنائع للتعلم ، وإن كان في ذلك ما يكون [ طريقا ] ، « 1 » على جهة الوجوب ، وفيها ما يكون كذلك على جهة العادة . ولولا أن الأمر كذلك لوجب في هذه الطرق ألا يصح أن تقتضى العلم بأن يقع معا ، أو في أوقات متقاربة ؛ لأن اعتبار الطرق وزيادة قوته على الأوقات لا يمكن أن يعتبر .
فإن قال : هلّا جوّزتم في الأخبار ، خاصة ، أن يعتبر فيها الظن وتزايد قوته ؛ لأنه مبنى على هذه الطريقة ؟ وليس كذلك حال الإدراك ، والحفظ ، وغيرهما ؛ لأن كل ذلك مبنى على المعرفة ، وإنما يلتمس بالمشاهدة المتكررة لزوم العلم في القلب على وجه لا يختلف .
وإذا كان حال الخبر ما ذكرناه صحّ ما ألزمناكم .
قيل له : قد بيّنا أن ذلك لا يجب أن يعتبر في الأخبار ؛ لأن ذلك واجب ، فيمن اعتقد أنها لا تقتضى العلم ولا الظن ، / ألا يحصل له العلم واليقين ، على ما بيّناه ؛ وفساد ذلك ظاهر .
فإن قال : إن القوم ، وإن اعتقدوا فيها أنها لا توجب العلم ، فإنهم يجعلونها أمارة الظن ؛ لأن الوجه ، الّذي منع عندهم أن يكون طريقا للعلم ، هو الوجه الّذي اقتضى ، عندهم ، أن يكون موجبا للظن وأمارة فيه ، على ما يحكى عنهم من العلل ، في هذا الباب ، فإذا صحّ ذلك سلم ما قدّمناه ، من اعتبار الظن . وهذا يوجب أن السبب مع الخبر كبعض الأخبار مع بعض .
قيل له : فيجب ، على هذا القول ، أن يكون الاقتصار على الأسباب ، إذا كثرت ، فتكون ، بانفرادها ، بمنزلة السبب مع الخبر ، أو الأخبار بانفرادها ؛ لأنها ، وإن انفردت عن الأخبار ، فقد يتزايد قوة الظن فيها ، كما يتزايد ذلك في الأخبار ؛ وهذا يبطل قوله :
إنه لا بدّ من الخبر مع السبب .
هامش
( 1 ) موجودة في الهامش