قيل له : إن المعتبر ، فيما يوجب العلم من الأخبار ، هو بأن يكونوا مخبرين بأي لفظ كان . وقد علمنا أن الشهود مخبرون ، وإنما زادوا في مقدّمة خبرهم لفظ الشهادة .
فلو أن المخبرين زادوا على الخبر القسم لم يؤثر ذلك ، وكان إلى التأكيد أقرب . وكذلك القول في الشهود إذا قالوا : « نشهد أن فلانا أقرّ بكذا ، أو قال كذا » . ولسنا نبعد أن يتعبد الشهود بلفظ مخصوص ، والحاكم بألا يحكم إلا على وجه مخصوص ؛ لأن ذلك يتبع المصالح الشرعية . وليس كذلك وقوع العلم عند الخبر ؛ لأن العقل يدلّ عليه ، على الطريقة التي ذكرناها ؛ فلا يصحّ الفرق بين الأخبار ، مع تساويها في القدر والصفة ، لأمر يرجع إلى اللفظ ، كما لا يصحّ أن يفرق بينها لأمر يرجع إلى المكان والوقت .
فإن قال : إنما لم يقع العلم ، عند خبرهم ، إذا شهدوا ؛ لأن الحاكم قد تعبّد ، في باب الحقوق والشهادات ، بأمور لا تتم إلا إذا لم يقع العلم عند خبرهم ، وليس كذلك في الخبر الّذي ليس بشهادة ، فلذلك افترقا .
قيل له : لو كان العلم يقع عنده لكان لا يختلف ، بأن يكون شهادة ، على ما ذكرنا ولوجب ألا يحصل من التعبد على الحاكم ، في ذلك ، إلا ما يطابق وقوع العلم ، لأننا نخالفه ؛ لأن ذلك يؤدى إلى أن يرد السمع بخلاف ما تقرر في العقول .
فإن قال : وما الّذي يمنع ، وإن لم يقع للحاكم العلم بشهادة أربعة ، أن يحكم بذلك عند المسألة والتزكية ، وإن كان الأمر في الأخبار على ما ذكرتم ؟
قيل له : يمنع منه أنّه ، إذا لم يقع له العلم ، والحال ما ذكرنا فيجب أن يعلم أنهم كذبوا ، أو بعضهم كذب ، أو أدوا الشهادة لا على وجه المشاهدة أو بعضهم . فإذا علم ذلك لم يجز أن يحكم بشهادتهم في الشريعة ، وإن زكّوا . فإذا كان الأمر بخلاف ذلك فقد صح ما قلناه .
فإن قال : أليس لو شهد ، عند الحاكم ، خمسة أو أكثر لكان الحكم ما ذكرتموه ، من أنه ، إذا لم يقع له العلم ، قد يحكم بشهادتهم ؟ فيجب أن يدلّ ذلك على
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 363
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٣٦٣